كراجة يكتب: غليون: شاهد على الثورة
سائد كراجة
تُشكّل استضافة منتدى الحموري ومعهد سياسة المجتمع للمفكر العربي برهان غليون فرصةً للقاء مع «مثقف عضوي» بمفهوم غرامشي، أي المثقف الذي جمع بين الفكر والعمل، ونسج فكره من واقع المجتمع والناس.
ينطلق غليون من اعتبار الفكر أداةً من أدوات النضال الواقعي، حيث تمثّل الديمقراطية والمواطنة والدولة المدنية في مشروعه شرطاً للسيادة والتحرر، ويُوظَّف النضال الفكري والعملي لمحاربة الاستبداد المسؤول عن انهيار السياسة والعقل، وعن تجريد المواطن من فاعليته ودوره التاريخي.
يرى غليون أن الديمقراطية مشروع عملي يُبنى مع الناس وبهم عبر هياكل المجتمع المدني، غير مكتفٍ بخطاب الأمنيات. وفي مجتمعات خارجة من الحرب، كالحالة السورية، لا تبدو الانتخابات الفورية واقعيةً دون توافر شروط الدولة، من غير التخلي عن الديمقراطية كمطلب أساسي. من هنا، يطرح أولوية الاستقرار لا كنقيض للحرية، بل شرطاً لحمايتها، مع التأكيد على دور الدولة كضامن للأمن وضابطٍ للعنف دون استبداد. غير أن هذه المقاربة تبقى محفوفةً بخطر تحويل الاستقرار إلى ذريعة لتأجيل التحول إلى الدولة المدنية الديمقراطية، ما يستدعي التأكيد على استمرار الفعل الشعبي.
لا يقيّم غليون مآلات الثورة بمن وصل إلى السلطة، بل بما أحدثته في بنية السياسة. فوصول قوى ذات مرجعية إسلامية لا يُقرأ عنده كانتصارٍ للإسلام السياسي المتطرف، بل كمؤشر على بداية تآكله حين انتقل الإسلام السياسي في سورية من منطق الحركة العقائدية إلى منطق الدولة. ومع ذلك، يبقى هذا التوصيف جزئياً، في ظل ما تشهده الساحة السورية من مخاطر الإسلام السياسي، بما فيها النزعات الإقصائية والتوظيف الطائفي.
يميّز غليون بين تحليل اللحظة التاريخية والعمل السياسي اليومي، معتبراً أن إخفاق التجارب لا يعني خطأ الفكرة الأصلية للثورة. إلا أن هذا التحليل يقلل أحياناً من حجم الكلفة الإنسانية والاجتماعية، إذ لم تُفضِ الثورة فقط إلى كسر بنية الخوف، بل رافقها تفكك مؤسسات الدولة، وانهيار اقتصادي، وكوارث إنسانية مستمرة، في ظل تعدد الفاعلين متضاربي المصالح في رسم الخريطة السياسية والجغرافية السورية، بما قد يوحي بإدارةٍ طويلة للانهيار.
إقليمياً، يقدّم غليون قراءةً متفائلةً نسبياً لانخراط دول عربية في صياغة المشهد السوري، معتبراً أن إعادة ترتيب أدوارها قد تحدّ من تمدد المشروع الصهيوني. غير أن هذا التفاؤل يبقى إشكالياً، إذ ما تزال السياسات العربية متباينةً وتفتقر إلى مشروع موحّد، كما أن تداعيات الحرب على غزة، رغم تأثيرها السردي على إسرائيل وعلى موقعها العالمي، لم تُترجم بعد إلى تغيير بنيوي في موازين القوى على الأرض.
في المحصلة، لا يقدّم غليون نفسه نموذجاً منزهاً عن الخطأ، بل مثقفاً يحاول فهم الثورة كحدث تاريخي مفتوح. غير أن خطابه يظل محتاجاً إلى توازن أدق بين الطموح النظري والوقائع القاسية، وبين نقد الاستبداد والانتباه إلى المخاطر التي نشأت في سياق الثورة نفسها.
سورية ستظل ثِقلاً سياسياً واقتصادياً مهماً، ومحوراً أساسياً لمشاريع التحرر العربي، وأيضاً لاستهداف قوى الاستعمار والهيمنة. وهي مؤشر عملي على ضرورة انبثاق عمل عربي مشترك يتجاوز بروتوكولية الجامعة العربية إلى خطاب مصالح وتكاتف مواقف، وأن غداً لصانعه قريب. جنابك