العايدي يكتب: الوعي الوطني (3): ما المطلوب منا وطنيا في المرحلة القادمة؟

 

د.محمد صبحي العايدي


نحن لا نعيش مرحلة عادية من التاريخ، بل لحظة انتقالية كبرى تتكسر فيها كل العهود والمواثيق والمسلمات الدولية، وتعاد فيها صياغة موازين القوة، ويتشكل نظام عالمي جديد على انقاض نظام لم يعد قادراً على ضبط الفوضى ولا الوقوف في وجه الموتورين في هذا العالم، في مثل هذه اللحظات التي يحبس العالم أنفاسه على وقع التحشيدات الضخمة، والاستقطابات الحادة، هنا لا تختبر الدول بقدرتها على الخطاب، ولكن بقدرتها على الوعي العميق بمجريات الأحداث، كما أنه لا يقاس انتماء الفرد والجماعة بالتشدد في المواقف، أو برفع شعارات أكبر من الإمكانات.
 

العالم اليوم يقف على شفير جرف هار، لم تعد القضية أيديولوجية فقط، بل جيوسياسية واقتصادية وحضارية، قوى كبرى تتصارع بلا أقنعة، وأقاليم تستعمل كساحات اختبار، ودول صغيرة تدفع إلى الاصطفاف القسري، في هذا السياق لن يفتش أحد في النويا، فالخطأ في الحسابات سيؤدي إلى كارثة حقيقية على المصالح الوطنية.
في الإقليم العربي تتكثف حالة اللاستقرار، فهناك دول منهكة من الحروب، وتعاني من انقسامات كبيرة، ومجتمعات تعيش حالة استقطاب كبيرة، وهويات متعددة متنازعة، تحمل كل واحدة منها سرديات كبرى تستعمل لتسويغ التفكيك لا البناء، فالسؤال هنا لم يعد مع من نقف؟ بل كيف نبقى؟ وكيف نحمي الدولة من أن تتحول إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية أو أيديولوجية؟.
في هذا المشهد يقف الأردن في موقع بالغ الحساسية، ليس باعتباره دولة مواجهة كبرى، ولا دولة تريد العزلة، لأن جزء مما يجري قد يؤثر على الأردن بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، بل الأردن وظيفته اليوم أن يوازن -رغم ما تحمله من أعباء- فالدول التي تقوم على التوازن تحتاج إلى وعي داخلي أعلى من المتوسط، لأن أي انزلاق داخلي  يفقدها قدرتها على المناورة الخارجية.
من هنا فإن المطلوب وطنياً في المرحلة الحالية والقادمة، لا يبدأ من الخارج، بل من الداخل:
أول المطلوب: هو ترسيخ الوعي بأن الدولة ليست ساحة تجريب ولا أداة ضغط، الخلاف السياسي مشروع، بل ضروري، لكن تحويل الخلاف إلى صراع على شرعية الدولة أو استقرارها، هو انتحار بطيء، الدولة هي الإطار الذي نختلف داخله، لا الحلقة التي نكسرها لننتصر.
ثاني المطلوب: هو إعادة تعريف الوطنية خارج منطق الاصطفاف، لسنا مطالبين بأن نكون نسخة واحدة في الرأي، لكننا مطالبون أن نتفق على الخطوط الحمراء: وحدة الدولة، السلم والأمن المجتمعي، استقلال القرار الوطني، وعدم زج الأردن في صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل، هذه ليست مواقف سياسية، بل ثوابت وطنية للبقاء.
في هذا السياق الداخلي الحساس تأتي قضية الحركات الدينية على المحك، بوصفها اختباراً حقيقياً للوعي الوطني، لا فرصة للمزايدة أو التخوين، المطلوب هنا ليس تصفية حسابات، ولا تحويله إلى معركة هوية، بل التعامل معه بمنطق الدولة لا بمنطق الجماعة: دولة مؤسسات وقانون، دولة لا تسمح لأي تنظيم -دينياً كان أو سياسياً- أن يكون فوق الدولة أو بديلاً عنها.
الوعي الوطني يقتضي أن نفهم كيف نحمي المجال الديني من الاختطاف، ونحمي المجال السياسي من التقديس، فحين يستغل الدين كأداة تعبئة ضد الدولة، يفكك الوعي الوطني، وحين تستعمل الدولة أداة قمع بلا أفق سياسي يستنزف المجتمع، المطلوب هو ميزان دقيق لا إفراط ولا تفريط.
ثالث المطلوب: هو ضبط الخطاب العام، والتمييز بين الثوابت الوطنية والمساحات المتغيرة، فالوعي الوطني لا يعني الصمت، لكنه يرفض الدعوات الجهوية والعصبوية، ويرفض تحويل الخلاف السياسي إلى كسر في النسيج الاجتماعي، فالدول تنهار حين يتآكل منسوب الثقة بين أبنائها.
رابع المطلوب: -وربما الأهم- هو الانتقال من عقلية الانفعال اللحظي إلى التفكير الاستراتيجي: ما موقع الأردن في النظام العالمي الجديد؟ ما الذي نستطيع فعله، وما الذي لا نستطيع؟ كيف نحمي مصالحنا دون أن نستدرج إلى معارك لا نحتملها؟ هذا التفكير ليس مهمة الدولة وحدها، بل مسؤولية النخب والإعلام والمجتمع.
الخلاصة أن المرحلة القادمة ليست مرحلة شعارات كبرى، بل مرحلة نضج ووعي وطني، إما أن نرتقي بالوعي إلى مستوى التحديات، أو نستدرج -دون قصد- إلى لعب أدوار كتبت لغيرنا.