الحسبان يكتب : الترمبية وانكشاف عورة السياسة الأمريكية
د. عبدالرزاق بني هاني ود. عبدالحكيم الحسبان
يمثل اختزال التحولات الجارية في السياسة الأمريكية بشخصية دونالد ترامب أحد أكثر الأخطاء التحليلية شيوعاً في مقاربة المشهد الأمريكي المعاصر. فالتعامل مع ترامب بوصفه سبباً لا نتيجة، واعتبار سياساته انحرافاً طارئاً عن مسار دولة مستقرة، يفترض ضمنياً أن النظام الأمريكي محكوم بأمزجة الأفراد لا بمنطق البنى والاستراتيجيات. هذا الافتراض لا يفتقر فقط إلى الدقة المنهجية، بل يؤدي عملياً إلى إعفاء البنية العميقة للدولة الأمريكية من المساءلة الفكرية، ويحول دون فهم طبيعة التحول الجاري باعتباره تحوّلاً بنيوياً طويل الأمد لا حادثة سياسية عابرة.
إن ما تشهده الولايات المتحدة منذ منتصف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين لا يمكن قراءته بوصفه نزوة رئاسية أو طفرة شعبوية مؤقتة، بل ينبغي فهمه باعتباره لحظة انكشاف علني لمسار استراتيجي ظل يُدار لعقود طويلة، بل لقرون، بصيغ أكثر انضباطاً ومواربة. فالدول ذات الامتداد الإمبراطوري لا تُعيد تعريف أولوياتها الكبرى استجابة لتغير القيادات، بل تُعدّل أدوات الإعلان والتنفيذ وفق متطلبات المرحلة، فيما يبقى الاتجاه العام محكوماً بمنطق الاستمرارية. ومن هذا المنظور، لم يكن ترامب صانع التحول، بل أداته الأكثر مباشرة وخشونة.
لقد ساد في الخطاب الإعلامي والسياسي، عربياً وغربياً، تفسير يُرجع التحول الأمريكي إلى السمات الشخصية لترامب كالشعبوية، والصدامية، والاستخفاف بالأعراف الدبلوماسية. ويستبطن هذا التفسير قناعة مريحة مفادها أن زوال الرجل يعني بالضرورة زوال السياسات، وعودة الولايات المتحدة إلى خطابها الليبرالي القيمي. غير أن هذا الطرح يُغفل حقيقة مركزية في تحليل الدول الإمبراطورية، وهي أن ما يبدو فوضوياً على مستوى الخطاب غالباً ما يكون تعبيراً عن انتظام صارم على مستوى البنية. فالسياسة الأمريكية، حتى في أكثر لحظاتها صخباً، لا تتحرك خارج إطار عقل استراتيجي جمعي تشكّل عبر تراكم معرفي ومؤسسي وأمني واقتصادي طويل.
في هذا السياق، لا تشير الدولة العميقة إلى كيان سري أو تنظيمي، بل إلى منظومة استمرارية مؤسسية تضم شبكات مراكز الأبحاث، والمؤسسة العسكرية، والأجهزة الأمنية، والصناعات الدفاعية، ومجلس الأمن القومي، واللوبيات الصهيونية والمالية، والتيارات القومية المحافظة. وهذه المنظومة تنتج إطاراً مرجعياً ثابتاً للسياسات الكبرى، وتعمل على إعادة إنتاجه عبر الإدارات المتعاقبة، بغض النظر عن الانتماءات الحزبية أو الخطابات الانتخابية. وضمن هذا الإطار، يُنظر إلى الرؤساء بوصفهم فاعلين يعملون داخل حدود مرسومة سلفاً، لا مهندسين أحراراً للسياسة.
وعليه، فإن العلاقة بين الرئيس والبنية ليست علاقة إبداع سياسي بقدر ما هي علاقة وظيفة. فبعض الرؤساء يُستدعون لإعادة إنتاج الخطاب الأخلاقي وتجميل صورة النظام، فيما يُستدعى آخرون لكسر المحرمات وإعلان التحولات المكبوتة. وقد أدى ترامب هذا الدور بوضوح، إذ أسقط الأقنعة الخطابية التي غلّفت السياسة الأمريكية لعقود، وجرّدها من ادعاء التوافق بين القيم والمصالح، كاشفاً عن عودة صريحة إلى منطق الواقعية الصلبة حيث تتقدم القوة على القانون، وتُختزل الأخلاق في الحسابات الاستراتيجية.
لا يمثل هذا التحول ارتداداً مفاجئاً عن الليبرالية، بل يمكن قراءته بوصفه تصحيحاً استراتيجياً من منظور النخب الحاكمة، بعد عقود من كلفة العولمة الاقتصادية، وتآكل الطبقة الوسطى الأمريكية، وتصاعد المنافسة مع قوى دولية صاعدة، وفي مقدمتها الصين. فالنظام الدولي الليبرالي، الذي قُدّم بوصفه إطاراً قيمياً عالمياً، لم يكن في جوهره سوى أداة لإدارة الهيمنة في مرحلة تفوق أمريكي غير متنازع عليه. ومع تراجع هذا التفوق النسبي، بات من الضروري إعادة تعريف الأدوات، والانتقال من خطاب شمولي ناعم إلى إدارة صراعية أكثر صراحة.
وفي هذا الإطار، أُعيد إحياء مبدأ مونرو لا كنص تاريخي رمزي، بل كعقيدة تشغيلية معاصرة، تُستخدم لتحجيم التمدد الصيني في نصف الكرة الغربي، وتشديد السيطرة على الحدود، وعسكرة ملف الهجرة، وإعادة تعريف السيادة بوصفها خط الدفاع الأول عن الإمبراطورية. وقد انعكس هذا التحول في انتقال السياسة الأمريكية من خطاب حقوقي كوني إلى معادلة أمنية صريحة، تُدار فيها القضايا الداخلية والخارجية من منظور التهديد والاحتواء لا من منظور القيم المعلنة.
يمثل ملف الهجرة مثالاً تطبيقياً كاشفاً لهذا التحول البنيوي. فبعد أن عولج لعقود ضمن أطر إنسانية وقانونية، أُعيد تأطيره باعتباره تهديداً مركباً ذا أبعاد ديموغرافية واقتصادية وأمنية. وتُظهر مراجعة الأدبيات والسياسات أن الأسس المعرفية التي استندت إليها الإجراءات التي اتخذت في عهد ترامب لم تُنتج في سياق حملته الانتخابية، بل صاغتها مؤسسات بحثية وأمنية سبقت وصوله إلى السلطة بسنوات طويلة. غير أن الفارق الجوهري تمثل في استعداده لتحويل التوصيات إلى قرارات، والمعرفة إلى إجراءات تنفيذية، دون اكتراث بالكلفة الأخلاقية أو الرمزية.
وفي سياق كل ذلك تندرج سياسة دونالد ترمب تجاه فنزويلا ونظام نيكولاس مادورو ضمن الإطار الأوسع لاستعادة الهيمنة الأميركية في الحديقة الخلفية لواشنطن، لا بوصفها أزمة إنسانية فحسب، بل باعتبارها ساحة اختبار لإرادة القوة الأميركية في نصف الكرة الغربي. ولم يتعامل ترمب مع مادورو كرئيس شرعي، بل كعرضٍ جانبي لانحراف استراتيجي يجب تصحيحه، ولذلك اعتمد سياسة الخنق الاقتصادي عبر العقوبات القصوى، لا بهدف إسقاط النظام فوراً، بل لتجفيف موارده وإضعاف شبكاته الداخلية. والاعتراف بخوان غوايدو لم يكن رهاناً على شخصه بقدر ما كان رسالة سياسية، مفادها أن الشرعية لم تعد تُستمد من الداخل الفنزويلي، بل من التوافق مع الرؤية الأميركية للنظام الإقليمي.
وفي إطار ذلك، تحوّلت فنزويلا إلى مثال ردعي موجه إلى دول أخرى تفكر في الخروج عن المدار الأميركي، مفاده أن الانفصال الجيوسياسي ستكون كلفته باهظة وطويلة الأمد. كما عكست سياسة ترمب تجاه كاراكاس قلقاً أميركياً متصاعداً من التمدد الروسي والصيني في أميركا اللاتينية، حيث لم يعد الصراع أيديولوجياً فقط، بل اقتصادياً وطاقوياً واستراتيجياً. والعقوبات على النفط الفنزويلي لم تكن مجرد أداة ضغط، بل محاولة لإعادة هندسة سوق الطاقة بما يخدم المصالح الأميركية وحلفاءها.
وفي الوقت نفسه، استخدم ترمب الخطاب الحاد ضد مادورو لتعزيز صورته داخلياً كرئيس لا يساوم مع الاشتراكية، مستثمراً الملف الفنزويلي في معاركه السياسية داخل الولايات المتحدة.
غير أن هذه السياسة كشفت أيضاً حدود القوة الأميركية، إذ لم يؤدِ الضغط الأقصى إلى تغيير النظام، بل إلى تعقيد المشهد الاجتماعي والإنساني.
وهكذا بدت فنزويلا في عهد ترمب ساحة صراع مفتوحة بين منطق العقاب ومنطق الردع، أكثر منها مشروع انتقال سياسي حقيقي.
إنها سياسة لا تُقاس بنتائجها المباشرة، بل برسائلها بعيدة المدى حول شكل النظام الدولي الذي تسعى واشنطن إلى فرضه.
من هنا، لا يُفهم سؤال لماذا ترامب؟ إلا بوصفه سؤالاً وظيفياً لا أخلاقياً. فالمرحلة لم تكن بحاجة إلى رئيس توافقي أو صاحب إرث رمزي، بل إلى رئيس قابل للاستهلاك السياسي، لا يُعير اهتماماً للصورة أو الإجماع أو النقد الأخلاقي. وهذه الصفات، التي شكّلت أساس الإدانة الأخلاقية لترامب، هي ذاتها التي جعلته مناسباً لأداء الدور المطلوب ضمن منطق البنية. فالدول الإمبراطورية لا تبحث عن حكماء، بل عن منفذين قادرين على تحمّل كلفة الإعلان الصريح عن التحولات.
إن الرهان على ما بعد ترامب بوصفه قطيعة مع هذا المسار يعكس قراءة سطحية للتاريخ السياسي الأمريكي. فمرحلة ما بعده لا تعني عودة إلى ما قبل (2016) ، بل انتقالاً من مرحلة الصدمة إلى مرحلة الإدارة الباردة للمسار نفسه. وسيبقى الاتجاه الاستراتيجي ثابتاً، يتضمن انكفاءاً نسبيا، وقومية اقتصادية، وإدارة صراع منضبط مع الصين، وتخلٍ تدريجي عن دور الشرطي الأخلاقي لًلنظام الدولي. والاختلاف سيكون في اللغة والأسلوب والتكتيك، لا في الجوهر البنيوي.
بالنسبة للوطن العربي، تكشف هذه التحولات نهاية زمن طويل من الرهانات الأخلاقية على واشنطن. فالمنطقة لم تعد تُدار بخطاب نشر الديمقراطية أو القيم المشتركة، بل بمنطق المصالح، والتوازنات، والمناطق الاقتصادية، ومن يمتلك أوراق القوة والقدرة على التفاوض. وستُترك الدول الهشة لاضطراباتها، بينما تُستوعب الدول القادرة وظيفياً، لا شراكةً قيمية، بل حاجةً استراتيجية.
نحن، إذن، أمام نظام دولي أكثر صراحة وأقل نفاقاً، لكنه أكثر قسوة وتجريداً. عالم بلا شعارات كبرى أو أوهام إنقاذ، تُدار فيه السياسة بلغة المصالح العارية، وتُعاد فيه صياغة الأخطاء القديمة بأدوات أكثر براغماتية وأقل خجلاً. وفي هذا السياق، يتضح أن التحول لم يبدأ مع ترامب، ولن ينتهي بعده، لأنه تعبير عن منطق بنيوي أعمق من الأشخاص، وأطول عمراً من الإدارات.