العايدي يكتب: الوعي الوطني (1): متى يهزم الوطن؟.. قراءة فلسفية لا سياسية

 

د.محمد صبحي العايدي


الوعي الوطني – في قراءته الفلسفية- ليس موقفاً سياسياً، ولا اصطفافاً عاطفياً مع السلطة أو ضدها، الوعي الوطني حالة وعي عقلي وأخلاقي قبل أن تكون موقفاً عاماً، هو القدرة على رؤية الوطن كما هو، بإمكاناته وتنوعاته واختلافاته، رؤية واقعية وليست طوباوبية حالمة، فالدولة ليست كياناً مقدساً لكنها شرط أخلاقي لتنظيم حياة الناس، وهذا لا يعني تبرير الواقع ولا تقديس الدولة، بل تعني إدراك أن الفوضى لا تنتج عدالة، وأن انهيارها لا يفتح باب الخلاص، بل يوسع المأساة على الناس، فالعبر التي أخذت من التاريخ ومن الحاضر فيما شهدنا يؤكد أن الدمار والرماد لا يخلق وطناً مثالياً.
 

في القراءة السياسية يختزل الوطن في السلطة، وفي المعارضة، وفي الصراع على القرار، أما في القراءة الفلسفية، فالوطن أسبق من الجميع: أسبق من السلطة التي تتغير، وأسبق من المعارضة التي تتبدل، وأبقى من لحظات الانفعال، فالسياسة تهتم باللحظة وإدارة الواقع، ولكن الوعي الوطني يحمي حاضرنا ويبني مستقبلنا، فلا يقاس الوعي بما نقوله عن الوطن، بل بحمايتنا له، وأن نمنع انهياره حين نطالب بالإصلاح، فالوعي الوطني لا يقف مع الدولة لأنها صحيحة دائماً، ولا يقف ضدها لأنها قد تخطئ أحياناً، بل يقف مع فكرة الدولة بوصفها ضرورة أخلاقية لوجود المجتمع.
أحد أشكال اللاوعي الوطني، هو اختزال الوطن في موقف أو قضية واحدة، أو لحظة غضب، فالأوطان لا تدار بردود الأفعال ولا بالانفعالات، حتى لا تصير الشعارات أعلى من الإمكانات، والنوايا أكبر من التبريرات، الخطر في زمن الضجيج أن تستدرج المجتمعات إلى معارك هامشية غاضبة: طائفية أو مذهبية أو عنصرية أو جهوية، يكيل كل طرف للآخر الاتهامات، وتكون بمثابة الفتيل الذي يشعل المجتمعات، ويصبح الوطن ساحة لتفريغ الغضب واستثارة العواطف، وينسى الجميع في اللحظات الحرجة أن الوطن أمانة ثقيلة، وأن السؤال الأهم عندها: ليس ماذا أشعر الآن؟ بل كيف نحمي هذا الوطن ليبقى قابلاً للحياة ؟ فالوطن ليس فكرة مجردة، بل حياة الناس اليومية: أمنهم، تعليم أبنائهم، واستمرارية مستقبلهم، وكل خطاب وطني لا يضع هذه المفردات في وعيه ووجدانه، مهما بدا نقياً، هو خطاب ناقص الوعي.
والسؤال الأهم هو : متى يهزم الوطن؟
الهزيمة في المفهوم الفلسفي ليس حدثاً عسكرياً، بل حالة اللاوعي المجتمعي، حين يتقدم الغضب على العقل، والهتاف على الفهم، وتتحول الوطنية إلى عادة، ويصبح الانتماء مجرد جمل نكررها بلا سلوك حضاري، فليس كل من قال:" أنا مع الوطن" هو واع، وليس كل من انتقده أراد إصلاحه، الهزيمة تقع عندما يفقد المواطن ثقته بأن الدولة مهما اختلفت معها تبقى ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، وأخطر أشكال الهزيمة حين يسوق انهيار الدولة بوصفه خلاصاً، تكون الهزيمة قد اكتملت، حتى ولو لم يسقط حجر واحد منها.
كما يهزم الوطن حين يختزل المواطن بكونه متلقياً للحقوق فقط، لا شريكاً في المسؤوليات، لا يعرف من المواطنة إلا أنها عقد مفتوح للمطالب، وليس علاقة متوازنة من الحقوق والواجبات، فتصور أن أسرة لا يعرف أفرادها معنى الانتماء لها إلا بمطالبة أبيهم بأن يوفر لهم كل أسباب البقاء والرفاه، وفي المقابل لا يتحملون مع أبيهم أي مسؤولية تذكر، مع أن بعضهم قادر على ذلك، لك أن تتصور كيف سيكون شكل هذه الأسرة بعد سنين من عناء الأب، وهي على هذا الحال، الكل يريد أن يأخذ ولا أحد يريد أن يضحي، ستنهار بلا شك، وسيتعب الأب مع الزمن، وتتفكك الأسرة، ويخسر الجميع واحة الأمان التي كانوا يستظلون بها.
يهزم الوطن عندما يردد بعض أبنائه روايات وسرديات أعدائه، فتثار دعوات التشكيك، وتفقد المجتمعات القدرة على التمييز بين النقد الواعي والهدم تحت الانفعال لإشباع الغضب، حينها تتحول وسائل التعبير إلى أدوات تفكيك وتسقط الثقة العامة، وتتآكل المناعة الوطنية.
ولا يهزم الوطن عندما يتحول وعي أبنائه إلى ثقافة عامة، لا ردة فعل مؤقتة، والمواطنة تحمل للمسؤولية قبل أن تكون حقوقاً، لا يهزم الوطن حين يحمى كل فرد فيه الوطن كفكرة وكرامة واستقرار، وعندما نميز بين النقد الواعي وأبواق الخراب، فحينها مهما اشتدت العواصف سيبقى الوطن حياً متيناً وقادراً على الصمود.