التل يكتب: التحول الاستراتيجي: قراءة في الأمر الملكي بإعادة هيكلة الجيش العربي

 

د.مصطفى التل

في خطوة استشرافية تعكس عمق الرؤية وبعد النظر، وجه الملك عبدالله الثاني بإعداد استراتيجية شاملة لتحول بنيوي في الجيش العربي خلال السنوات الثلاث المقبلة.

التوجيه الملكي ليس مجرد قرار إداري عابر، بل هو إعلان عن مرحلة جديدة في مسيرة تطوير المؤسسة العسكرية الأردنية، يؤسس لمنظور استراتيجي متكامل يجمع بين الأصالة العسكرية والابتكار التكنولوجي، بين الثوابت الوطنية والمتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة.

يأتي هذا التوجه في لحظة فارقة تشهد تحولات عميقة في طبيعة التهديدات والأدوات العسكرية، حيث لم تعد المواجهات التقليدية هي الساحة الوحيدة للصراع، بل برزت فضاءات جديدة للتنافس والمواجهة تمتد من الفضاء السيبراني إلى حرب الأنظمة المسيرة، ومن العمليات النفسية والإعلامية إلى الحروب الهجينة غير المتماثلة.

في هذا المشهد المعقد، يضع الأمر الملكي أسس التحول نحو جيش عربي قادر ليس فقط على مواكبة هذه التغيرات، بل على التفوق في مجالات حيوية تمنحه الريادة والردع الاستراتيجي.

الرؤية الملكية تنطلق من إدراك عميق بأن أمن الأردن في القرن الحادي والعشرين لم يعد محصوراً في الدفاع عن الحدود الجغرافية فحسب، بل امتد ليشمل حماية الفضاء السيبراني والبنى التحتية الحيوية والاستقرار المجتمعي في وجه حروب الجيل الخامس وبداية السادس .

جاء التركيز على بناء قدرات متكاملة تجمع بين المرونة التنظيمية والتطور التكنولوجي والتفوق العقائدي، لتشكل معاً منظومة دفاعية شاملة قادرة على التعامل مع التهديدات المتعددة الأبعاد.


هذه الرؤية  في صلبها يأتي التحول التكنولوجي كركيزة أساسية، حيث أولت الرسالة الملكية أهمية استثنائية لتوظيف تكنولوجيا الأنظمة المسيرة والذكاء الاصطناعي على جميع مستويات وحدات القوات المسلحة، ووضعت مجال العمليات السيبرانية الدفاعية والهجومية كأحد الأولويات الاستراتيجية التي يمكن الاستثمار فيها وبناء القدرات التنافسية.

هذا التوجه لا يعكس فقط متطلبات المواجهات العسكرية الحديثة، بل يضع الأردن على خريطة الدول الرائدة في تبني التقنيات العسكرية المتقدمة، مما يعزز موقعه التفاوضي وشراكاته الإستراتيجية.

بالتوازي مع البعد التكنولوجي، أولى التوجيه الملكي أهمية بالغة لتطوير العقيدة القتالية، داعياً إلى عقيدة دقيقة ومدروسة على مستوى كل صنف، تتميز بالبساطة والفاعلية وقابلية التطبيق.

التركيز على الجانب العقائدي يؤكد أن التطور التكنولوجي وحده لا يكفي بدون إطار فكري وتخطيطي يوجه استخدامه ويضمن توظيفه الأمثل في مختلف سيناريوهات العمليات.

العقيدة هي التي تحول التقنية إلى قوة مضاعفة، وهي التي تضمن تحقيق التفوق العملياتي في ساحات المواجهة المتغيرة.
ولعل أحد أبرز ملامح الرؤية الملكية هو التركيز على البعد الصناعي الدفاعي، من خلال إعادة توجيه دور المركز الأردني للتصميم والتطوير ليكون نواة في البحث والتطوير وتصنيع التكنولوجيا الدفاعية المتطورة.

التوجه الاستراتيجي يهدف إلى تحقيق درجة من الاكتفاء الذاتي في المجالات الدفاعية الحيوية، ويحول التحدي الأمني إلى فرصة اقتصادية وتنموية، حيث تساهم الصناعات الدفاعية في خلق فرص عمل جديدة وجذب الاستثمارات وتطوير القدرات التكنولوجية الوطنية التي تمتد فوائدها إلى القطاعات المدنية.

التحول البنيوي المنشود لا يقتصر على الجانب العسكري البحت، بل يمتد ليشمل الجوانب الإدارية والتمويلية، حيث دعت الرسالة الملكية إلى إعادة هيكلة الصناديق والشركات الاستثمارية التابعة للقوات المسلحة وإداراتها، بما يتماشى مع أعلى المعايير المهنية للحوكمة والإدارة.

الشفافية والكفاءة الإدارية والتركيز عليها  تعكس النظرة الشاملة للتحول، التي تجمع بين التطور العملياتي والتميز الإداري، لضمان الاستدامة والفعّالية في أداء المؤسسة العسكرية بمختلف جوانبها.

على المستوى الاستراتيجي الأوسع، يمثل هذا التحول تعزيزاً لدور الأردن الإقليمي والدولي، فالجيش العربي المحدث والمتطور لن يكون فقط حامياً للحدود والأمن الوطني، بل سيكون شريكاً فاعلاً في المعادلة الإقليمية ، ومساهماً في استقرار المنطقة، مما  يعزز من مكانة الأردن كدولة محورية في المعادلة الإقليمية، قادرة على لعب دور فاعل في  معادلة قادمة للإقليم .

الاستجابة السريعة من قبل رئيس هيئة الأركان المشتركة، والتي جاءت في رسالة جوابية تؤكد الامتثال الكامل للأمر الملكي والاستعداد الفوري للتنفيذ، تعكس مستوى عالياً من الانضباط المؤسسي والفهم الاستراتيجي العميق لمتطلبات المرحلة.

التجانس بين الرؤية القيادية والاستجابة التنفيذية يضمن انطلاق عملية التحول بقوة ووضوح، ويؤسس لمرحلة جديدة من التميز في أداء المؤسسة العسكرية الأردنية.

يمثل الأمر الملكي بإعادة هيكلة الجيش العربي نقلة نوعية في التفكير الاستراتيجي العسكري الأردني، تجمع بين الحكمة المستمدة من التراث العسكري المجيد والرؤية المستنيرة للمستقبل.

رؤية تضع الأردن على مسار التميز العسكري في عصر التكنولوجيا المتقدمة، مع الحفاظ على القيم الأساسية التي جعلت من الجيش العربي نموذجاً للانضباط والاحتراف.

التحول الاستراتيجي المنشود  سيرسخ مكانة الأردن كدولة رائدة في مجال الأمن والدفاع، قادرة على حماية مصالحها الوطنية والدفاع عنها  في ظل بيئة إقليمية ودولية متغيرة ومليئة بالتحديات والفرص على حد سواء.