العتوم يكتب: هولكوست الولي الفقيه: نظام يحرق شعبه ليبقى

 

‎د.نبيل العتوم‎

ما تكشفه التسريبات المتراكمة عن أحداث الثامن والتاسع من يناير لا يندرج في سياق قمع احتجاجات ولا حتى في إطار مجزرة أمنية تقليدية، بل يعكس لحظة انكشاف كاملة لطبيعة نظام الولي الفقيه بوصفه نظاما لا يتردد في إحراق شعبه إذا شعر بأن سلطته مهددة...نحن أمام عنف لا يهدف إلى إنهاء تظاهر أو تفريق شارع، بل إلى كسر الإرادة التي تريد التغيير عبر الصدمة الشاملة، وتحويل الخوف إلى قاعدة حكم دائمة. الأرقام، مهما حاول النظام التشكيك بها أو إغراقها بالتعتيم، تشير إلى مستوى من القتل المنهجي يجعل الدولة نفسها الفاعل الرئيسي في أكبر عملية إبادة سياسية داخلية تشهدها المنطقة في العصر الحديث.

القتل لم يكن عشوائيا ولا نتاج فوضى، بل اتخذ شكلا منظما يكشف عن قرار سياسي مركزي.... إطلاق النار على المتظاهرين، ثم ملاحقة الجرحى داخل المستشفيات، وتنفيذ إعدامات ميدانية بحق مصابين وموقوفين،واغتصاب النساء والرجال والأطفال كلها دلائل على أن النظام تجاوز منطق الأمن إلى منطق التطهير الشامل ... حين يُقتل المواطن الايراني وهو على سرير العلاج، وحين تتحول سيارة الإسعاف إلى مسرح إعدام واغتصاب ، فإن الدولة تكون قد أعلنت صراحة أن الحياة نفسها باتت خاضعة لدموية السلطة، وأن القانون لم يعد سوى أداة شكلية تُستخدم عند الحاجة وتُلغى عند الخطر.

هذا الهولكوست الذي يجري في ايران الان مع وصول القتلى الى اكثر من 30 الف قتيل والعدد بازدياد يكشف جوهر عقيدة الولي الفقيه، حيث تختزل الدولة في شخص، ويُختزل الوطن في بقاء النظام. في هذه العقيدة لا قيمة للأرواح والأعراض والكرامة ، ولا معنى للمؤسسات، ولا وزن للمجتمع، بل هناك معادلة واحدة تحكم القرار السياسي مفادها أن أي تراجع يعني السقوط، وأي تساهل يعني الانهيار. لذلك كان الخيار هو الإفراط في القتل، وتوسيع رقعته جغرافيا، وإشراك كل أدوات القمع الممكنة، حتى لو استدعى الأمر الاستعانة بقوى خارجية من زعران وكلاء ايران في العراق ولبنان وأفغانستان ..، في إقرار ضمني بعجز النظام عن مواجهة شعبه دون استيراد العنف.

الأخطر من حجم الجريمة هو محاولة شرعنتها لاحقا عبر الترهيب والابتزاز، من فرض أثمان على العائلات لاستلام الجثامين، إلى تزوير صفات الضحايا، إلى دفن البعض سرا، في مسعى واضح لطمس الذاكرة ومنع تشكل سردية وطنية للضحايا....لكن هذه الممارسات لا تعكس قوة، بل خوفا وجوديا من الحقيقة....نظام يحتاج إلى محو الأسماء والقبور هو نظام يدرك في قرارة نفسه أن شرعيته قد سقطت أخلاقيا وتاريخيا.

إن ما جرى ويجري في ايران ليس شأنا إيرانيا داخليا، بل جريمة سياسية كبرى ستترك أثرها على توازنات المنطقة ومستقبل الدولة الإيرانية نفسها؛ فالدولة التي تبني استقرارها على المقابر لا تنتج أمنا، بل تؤسس لانفجار مؤجل. وهذا الهولكوست، مهما طال التعتيم عليه، سيبقى شاهدا على لحظة قرر فيها نظام الولي الفقيه أن يحكم بالدم وحده، بعدما استفلس وفقد كل أدوات الحكم الأخرى.