سوريا تعاني من دمار الحرب وخطط إعادة الإعمار مفقودة
في سوريا، بات الدمار الذي خلفته 13 عاماً من الحرب جزءاً لا يتجزأ من المشهد. بحسب تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز"، إذ لا تكاد مدينة أو بلدة توجد لم يمسها الدمار. أو حي لم يمسه الخراب. في هذا البلد الشاسع الذي يبلغ عدد سكانه 23 مليون نسمة.
في المدن الرئيسية كدمشق، العاصمة، سويت أحياء بأكملها وضواحيها بالأرض. في محاولة من الديكتاتور بشار الأسد وحليفيه روسيا وإيران لسحق احتجاجات وتمرد مسلح اندلع عقب ثورات الربيع العربي عام 2011.
وأجبر القتال والقمع أكثر من نصف السكان على النزوح من ديارهم، تاركين وراءهم مدناً أشباحاً وأحياءً غارقة في الظلام وغير صالحة للسكن.
التحديات وتعثر إعادة الإعمار
في نهاية المطاف، أطاح الثوار بالنظام في ديسمبر (كانون الأول) 2024. ومع تركيزها على توطيد سلطتها، لم تبدأ حكومة الرئيس أحمد الشرع الجديدة إلا مؤخراً مهمة إزالة الأنقاض وإعادة الإعمار.
يُذكر أنه قد عاد أكثر من 3 ملايين سوري إلى سوريا منذ فرار الأسد ولجوئه إلى روسيا. لكن يعيش الكثيرون بين الأنقاض أو في خيام مجاورة لها. وقد قام البعض بترميم شقق صغيرة تقع في منتصف هيكل مبنى سكني مهجور.
وشهدت مدينة حلب القديمة ومحافظتها المحيطة بها بعضاً من أشد الأضرار على مر سنوات الحرب. وكانت مسرحاً لمواجهات حديثة؛ إذ امتد خط المواجهة عبر المدينة القديمة العريقة، المشهورة بمنازلها ذات الأفنية وسوقها المسقوفة.
الدمار في الأحياء والمدن
تقول رزان عبد الوهاب، وهي مهندسة معمارية تنسق مشاريع في المنطقة لصالح برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية: "كانوا يتقاتلون عليها. إنها كارثة عظيمة".
وأضافت أن 60 في المائة من المدينة القديمة دُمِّر، بما في ذلك العديد من المباني المسجلة كآثار. ورغم العمل الجاري لترميم أجزاء من السوق، لا تزال المدينة القديمة مشهداً مروعاً من الغبار والأنقاض.
يقول عبد القادر، وهو تاجر عاد عام 2017 ليجد متجره ومنزله بالقرب من المدينة القديمة مُدمّرين: "لا أستطيع نسيان ذلك اليوم. عندما رأيت كلّ هذا الدمار. لماذا؟ ولماذا؟".
معاناة السكان والاقتصاد المتدهور
يُعاني العديد من السوريين من أجل البقاء. ثلث المساكن في البلاد مُتضررة أو مُدمرة. ترتفع نسبة البطالة، ويعيش 90 في المائة من السوريين تحت خط الفقر، وفقاً للأمم المتحدة.
أظهر مسح أجرته الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية أن 31 في المائة من المساكن بحاجة إلى إعادة بناء أو ترميم؛ ما يجعل البلاد تفتقر إلى 1.9 مليون منزل لنحو 10 ملايين نسمة.
يُمكن ملاحظة حجم المعاناة. ففي مدينة درعا جنوب غرب البلاد، مهد الانتفاضة السورية عام 2011، أصبحت الأحياء التي دعمت الثورة مُدمرة.
الألغام والتحديات المستقبلية
يقول محمد خير بجبوج، البالغ من العمر 50 عاماً: "في بعض الأماكن، وصل حجم الأنقاض إلى درجة أن الناس لا يستطيعون العثور على مكان منازلهم. أحياناً، لا يستطيعون حتى العثور على الشارع".
لا يسكن في شارعه سوى منزلين. منزله ومنزل ابنة عمه التي عادت مع عائلتها بعد أن ساعدتها إحدى الجمعيات الخيرية في ترميم سقف منزلها. قال بجبوج: "لم يعد سوى عدد قليل من الناس لأن معظمنا لا يملك المال".
وخارج المدن الرئيسية، تنتشر الألغام الأرضية والقنابل غير المنفجرة في القرى والبلدات، وتتسبب هذه المتفجرات في قتل العائدين وتشويههم.
التكلفة الباهظة لإعادة الإعمار
مهمة إعادة الإعمار هائلة. وتُقدّر الأمم المتحدة أن تكلفة الإسكان وحدها ستصل إلى 80 مليار دولار. وقدّر البنك الدولي تكاليف إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار.
وأفادت مؤسسة "كارنيغي" للسلام الدولي مؤخراً: "لا يزال الحديث غائباً عن وضع خطة شاملة لإعادة الإعمار الاقتصادي".
ومع قيام إدارة ترمب والعديد من الجهات المانحة الغربية الأخرى بتقليص ميزانيات المساعدات الدولية، تسعى الحكومة السورية للحصول على تمويل من القطاع الخاص.
دعوات للعدالة الاجتماعية
وحذّر الخبراء من أن هذا الأمر ينطوي على مخاطر. فإذا لم يُدَرْ بشكل عادل، فإن إعادة الإعمار بقيادة القطاع الخاص قد تؤدي إلى عودة المحسوبية وعدم المساواة الاجتماعية، ما قد يُفاقم حالة عدم الاستقرار.
وقال هيروشي تاكاباياشي، رئيس برنامج الأمم المتحدة في سوريا: "إذا أردنا الاستقرار حقاً، فلا بد من توفير دعم إعادة الإعمار". وأضاف أن سوريا كانت حجر الزاوية للاستقرار في معظم أنحاء الشرق الأوسط.
قال: "إذا فشلنا هنا، فقد لا يستمر هذا النظام العالمي برمته".