دول على الطاولة وأخرى في قائمة الطعام... البستنجي يوضح
قال الكاتب والباحث في الصحافة العبرية الدكتور حيدر البستنجي إن ملامح النظام العالمي الآخذ بالتشكل اليوم تستحضر، إلى حدّ بعيد، ديستوبيا رواية "العالم الجديد الشجاع" لألدوس هكسلي، حيث تهيمن القوة، والعلم، والأنظمة على البشر، وتتراجع القيم الإنسانية والمشاعر الفردية لصالح استقرار قسري تفرضه السلطة الحاكمة.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب في منتدى دافوس يجسّد بوضوح مفهوم "باكس أمريكانا"، أي السلام المفروض بالقوة أو بالتهديد باستخدامها، مشيرًا إلى أن هذا المصطلح يحاكي تاريخيًا مفهوم "باكس روما" الذي فرضت خلاله الإمبراطورية الرومانية سلامًا نسبيًا طويل الأمد مستندًا إلى هيبتها العسكرية وخضوع خصومها أو خوفهم من تحدّيها.
وبيّن البستنجي أن ترامب يسعى، دون مواربة، إلى ترسيخ عصر جديد تتحكم فيه الولايات المتحدة بهوامش الحركة الدولية، وتعيد من خلاله رسم قواعد اللعبة العالمية، بحيث تُخيَّر القوى الكبرى الأخرى - بريطانيا وفرنسا وروسيا والصين - بين التعاون وعدم تجاوز خطوط حمراء مرسومة بعناية، أو مواجهة كلفة الصدام مع القوة الأميركية، في ظل تنافس محتدم ومتسارع مع الصين على مختلف المستويات.
ولفت إلى أن هذا التوجه يضمن هيمنة أميركية شبه مطلقة على قوى اقتصادية كبرى غير مصنّفة كقوى عظمى، مثل اليابان، وألمانيا، وكوريا الجنوبية، وإندونيسيا، فيما يترك أمام الدول المتوسطة، كتركيا، وإيران، والبرازيل، والهند، خيارات محدودة بين تحالفات وازنة أو مخاطر سياسية واقتصادية جسيمة.
وأشار البستنجي إلى أن تصريح رئيس وزراء كندا بأن الدول "إما أن تكون على الطاولة أو تكون في قائمة الطعام" يعكس إدراكًا متزايدًا لطبيعة المرحلة المقبلة، حيث يُطلب من الدول البحث عن مصالحها بواقعية سياسية وتجنّب المكابرة.
ونوّه إلى أن الدول الصغيرة ستكون الأكثر تضررًا في هذا النظام، إذ ستجد نفسها تناقش هامش التبعية لا هامش الحرية، في عالم قد تُستبدل فيه المنظمات الدولية التقليدية بمرجعيات جديدة تقودها واشنطن، وتُعاد فيه صياغة النظام الدولي "بدقة الساعات السويسرية"، كما لمح ترامب في دافوس، في مشهد يعكس عنجهية سياسية واضحة في عالم أحادي القوة آخذ في الترسخ.