الزيود تكتب: البعثيون وغياب الأولويات: العراق يبحث عن مبررات خارجية

 

دعاء الزيود 

في فضاء الشرق الأوسط المشتعل بالتحولات الرمزية والتقاطعات الاستراتيجية، يتبدى ملف البعثيين كمرآة سياسية رصدية، تعكس عمق أزمة العراق الراهنة وفشل الحكومات المتعاقبة في إدارة الدولة والمجتمع على حد سواء. المطالبة الأخيرة لمقتدى الصدر بتسليم قيادات بعثية، وعلى رأسهم رغد صدام حسين، أبعد من أن تُسجل في خانة الإجراءات الشكلية؛ إذ تمثل استدعاءً متعمدًا للرموز التاريخية، يُوظف كأداة ضغط على الخارج، في سياق إخفاق داخلي متواصل وفوضى مؤسساتية ممتدة.

العراق اليوم، دولة مستنزفة، غارقة في فوضى مؤسساتية وأزمات اقتصادية متلاحقة، بينما الأولويات الوطنية تتبدد بين المراوحة والإهمال، ويُستدعى الأرشيف الرمزي للسيادة كذريعة لإخفاء العجز الإداري. البعثيون في الأردن وسوريا، بعيدًا عن أي تهديد مباشر للأمن الداخلي، يُستعملون كـ"شماعة سياسية" رمزية لتعليق أخطاء الحكومات العراقية المتعاقبة، بدلاً من استثمار الطاقة السياسية لإعادة بناء الدولة وحماية الشعب.

الأردن، كدولة مستقرة، تعامل مع هذا الملف بحكمة فائقة ورؤية استراتيجية، مستندًا إلى فلسفة واضحة: الفصل بين الإرث السياسي وإدارة الأمن والمصلحة الوطنية العليا. استضافة قيادات بعثية بعد عام 2003، وعلى رأسهم رغد صدام حسين، لم تُختزل في مبادرة استثنائية، إنما جسدت ممارسة سياسية متفحصة أعادت رسم معادلات العلاقة بين الإرث التاريخي والواقع الراهن، بين الرموز السياسية وأولويات الأمن الوطني، وبين المتاح من الماضي والمأمول للمستقبل.

في المقابل، يظهر خطاب الصدر كمرآة للفشل الداخلي: محاولة تحويل الماضي الرمزي إلى أداة ضغط على الخارج، بدلاً من معالجة أزمات الداخل العميقة. استدعاء البعثيين لتسليمهم يمثل إعادة توظيف الرموز التاريخية لتغطية إخفاقات مؤسساتية واقتصادية وأمنية، بينما يبقى الشعب العراقي عرضة للفوضى وانعدام الخدمات والمجاعة.

هذه الاستراتيجية الرمزية، التي يستغلها البعض في الداخل العراقي، تعكس ديناميات إقليمية أوسع: أذرع خارجية تسعى لتغذية النزاعات الرمزية لزعزعة الاستقرار، بينما الأردن يقدم مرجعية رصينة في إدارة الملفات الحساسة، حيث يتم الفصل بين التاريخ والرمزية، بين السياسة والاستقرار، وبين الرمز والمصلحة الوطنية العليا.

العراق، إذا أراد استعادة دوره وحضوره كدولة عريقة، يحتاج إلى قراءة واعية لتاريخه، وإدراك أن البعثيين ليسوا تهديدًا مباشرًا للأزمات الراهنة، وإنما وسيلة رمزية لإخفاء إخفاقات الداخل. إدارة الدولة الناجحة لا تتطلب استغلال الإرث الرمزي لتحويله إلى أداة سياسية، وانما إعادة توظيف الإرث السياسي لتعزيز الاستقرار، وحماية الأمن، وصناعة المستقبل برؤية متفحصة وحنكة سياسية.

عند محك الحقيقة، يقاس أي خطاب سياسي رشيد بقدرته على الفصل بين الرموز التاريخية والأولويات الوطنية، بين الإرث والمصلحة، وبين الواقع والاستعراض السياسي. الأردن رسم معالم نموذج رصين في إدارة الرموز والمصالح الاستراتيجية، بينما العراق يظل أمام اختبار حقيقي: هل ستتمكن الدولة من إعادة ترتيب أولوياتها الوطنية، مع احترام إرثها التاريخي، نحو إدارة رشيدة واستقرار مستدام؟