ملكاوي يكتب: استعادة حق تسمية العالم بلغتنا

 

موفق ملكاوي


في النقاشات التي تجري بشكل شبه يومي في الإعلام المحلي والعربي، ثمة مجموعة من القضايا التي تتسيّد المشهد دائما، مثل قضايا المرأة والأسرة والطفولة والحماية المجتمعية والحرية والدين والهوية. لكن من ينبش عميقا في النقاشات والجدل الدائر حولها، يكتشف أنها تناقش غالبا بمنطق استقطابي، لأن المرجعية ليست محلية ذاتية بل خارجية مستوردة.
 

هذه «الظاهرة» هي إحدى تجليات فقدان اللغة، أو فقدان الثقافة لغتها المرجعية، حين تنتقل اللغة من كونها أداة تعبير إلى مجرد أداة تقويم، فمفاهيم مثل التقدم والحداثة والعقلانية وحقوق الإنسان والديمقراطية، تصبح معرفة حصريا وفق القاموس الغربي، لا وفق التجربة التاريخية المحلية، وهنا فإن اللغة لا تصف الواقع، بل تحاكمه مقارنة إياه مع النموذج الغربي.
الأمر، كذلك، أسهم بتفريغ المفاهيم المحلية من محتواها، فرغم الاستمرار بتداول المصطلحات والمفردات المحلية ذاتها، إلا أنها تكتسب معاني مستعارة، فـ»الحرية» لا تأتي بسياقها الاجتماعي والتاريخي، و»العقل» يختزل بالنسخة الأداتية الغربية، و»الدين» يعاد تعريفه كعائق، لتصبح اللغة جسدا بلا روح معرفية.
«الظاهرة» تنتج، كذلك، ازدواجية في الخطاب الثقافي، فثمة خطاب نخبوي يستعير لغة الآخر ومفاهيمه، في مقابل خطاب محلي يصور باعتباره متخلفا أو غير عقلاني، وهي ازدواجية تنتج قطيعة داخل المجتمع نفسه، لا بينه وبين الخارج فقط، وبفقدان الثقافة لغتها، تفقد قدرتها على طرح أسئلتها الخاصة، وتكتفي بالإجابة عن أسئلة مفروضة عليها من خارجها.
هذه الخطورة لم تكن غائبة عن نخبة من المفكرين الذين استطاعوا تفكيك مشروع الهيمنة الغربية، منذ أنطونيو غرامشي في طروحاته التي اعتبرت اللغة وسيطا تمر عبره الهيمنة بتبني النخب لغة المسيطر والتحول إلى وكلاء للهيمنة دون وعي، فرانز فانون، الذي نظر إلى اللغة بوصفها استعمارا داخليا، فتكلم لغة المستعمر «يعني أن تتبنى عالمه وقيمه، وأن تنظر إلى نفسك بعينيه»، ما يعني أن اللغة هنا ليست وسيلة تواصل، بل إعادة تشكيل للذات.
إدوارد سعيد يذهب أبعد من توصيف الخطاب، إلى أثره البنيوي، فالاستشراق ليس مجرد خطاب عن الشرق، بل مشروع هيمنة بإعادة بنائه والسيطرة عليه من خلال اعتماد المجتمعات الشرقية مفاهيم الغرب لتحليل ذاتها، لتعيد إنتاج الاستشراق من الداخل.
عبد الله العروي يبسط المفهوم، فيعتبر أن استعمال مفاهيم لم نشارك بإنتاجها، يصنع التباسا دائما بين اللفظ والتجربة، فاستيراد المفاهيم دون تأسيسها تاريخيا ينتج وعيا زائفا، ويحول اللغة إلى قناع حداثي يخفي فراغا معرفيا. والرأي نفسه يؤيده محمد عابد الجابري بربطه بين اللغة والمعرفة، فالعجز عن إنتاج مفاهيمنا الخاصة والاكتفاء باستيرادها يؤدي إلى «استقالة العقل عن مهمته النقدية».
ولعل الأديب الكيني نغوغي
وا ثيونغو يجمل الأثر الخطير للغة الآخر واستدخال مصطلحاته في اللغات الوطنية في كتابه المهم «تفكيك استعمار العقل»، حين يقول إن «اللغة تحمل ثقافة، والثقافة تحمل منظومة القيم التي يرى بها الناس أنفسهم والعالم»، ففقدان اللغة يعني فقدان الذاكرة والخيال والقدرة على تخيل مستقبل مختلف، ولعل هذا الفهم هو ما فرض على نغوغي وا ثيونغو ترك الإنجليزية واختيار لغته القومية «الكيكويو» للكتابة، رغم عمله أستاذا في جامعات ييل ونيويورك وكاليفورنيا. 
الثقافة حين تفقد لغتها، فإنها تفقد قدرتها على تعريف ذاتها وقيمها، وتواجه أزمة في إنتاج مفاهيمها. هذا الأمر هو ما نواجهه كعرب فرضت عليهم المصطلحات الغربية ومعاييرها من دون أن يشاركوا في إنتاج أي منها. إننا مجتمعات تمارس التفكير في ذاتها بلغة الآخر، لذلك فإنها، وبلا وعي، تحاكم نفسها بمعاييره، لا بمعاييرها، لتصبح الثقافة الغربية، ليست بديلة فقط، بل مرجعا قيميا. ولكي نبدأ مرحلة التحرر الحقيقي، ينبغي استعادة الحق في تسمية العالم بلغتنا، ومن داخل تجربتنا.