ذياب يكتب: إشاعة حلّ البرلمان قراءة في مخاطر العبث بمشروع التحديث السياسي

 

مقال بقلم: ليث ذياب

بالاونة الأخيرة زاد الحديث حول حل مجلس النواب قبل إنهاء مدته عن قصد أو دون قصد او وعي هذه الأحاديث تضع مشروع التحديث على حافة الفشل، وكأنهم يكتبون نهاية المستقبل قبل بدايته. فحل المجلس في هذا التوقيت بالذات يعني تعطيل المسار الإصلاحي ويرسل رسالة خطيرة بأن الدولة مستعدة للتراجع عن أهم مشروع إصلاحي أطلقته منذ عقدين وهذا أصلاً سيُوصل رسالة اخرى بأن الدولة لم تكن صادقة في التزاماتها الإصلاحية وسيزيد من انعدام الثقة بين الشعب والدولة ويوسّع الفجوة الموجودة أصلًا. فمشروع التحديث السياسي لم يكن مجرد خطوة إصلاحية بل هو مشروع بقاء دولة، ورؤية استراتيجية أرادها جلالة الملك لتأمين مستقبل الأردن السياسي والاجتماعي. لذلك فإن أي محاولة للمساس به أو فتح الباب للتراجع عنه ليس سوى عبث بمستقبل الدولة، ولنتذكر ايضاً أن الملك وبنفسه قد قالها وضوحًا إنه هو الضامن لعملية التحديث السياسي، مؤكّدًا أنه مشروع التحديث السياسي مشروع وطني لن يتوقف وأن استمراره مرتبط برؤيته واستراتيجيته للمستقبل الأردني.

ولنعترف اليوم وبكل صدق أنه ومع ضعف النخبة السياسية الموجودة يصبح وجود مجلس النواب ضرورة دستورية وسياسية، بدعم ورعاية الملك الذي يضمن استمرار مشروع التحديث السياسي ويحافظ على استقرار الدولة. فمجلس النواب اليوم هو من يتحمل كل شيء، وأي هجوم سياسي، فهو الذي يخفف أي عملية ضغط على الحكومة ويعمل كمنفّس عن الشعب، وهذا بحد ذاته يحتوي العديد من الأزمات. ولعل بغياب النخبة السياسية أو “الطبقة العازلة” بين الشعب والملك اصبحنا نرى توجه المواطنين مباشرة نحو الملك عند كل أزمة صغيرة أو كبيرة، متجاوزين التسلسل الهرمي والمؤسساتي للدولة، وهذا يعكس أهمية دور المجلس كحاجز سياسي ضروري للحفاظ على مكانة الملك وفاعليته في الرؤية الاستراتيجية للدولة، فالملك هو رأس الدولة وهو المعظم وعليه لا يتدخل الملك في كل كبيرة وصغيرة، وإلا اعتُبر ذلك تقليلًا من مكانته. لذلك لا يجوز لأي مواطن أن يناشد الملك في كل أزمة صغيرة أو كبيرة. وهذا بحد ذاته مؤشر يفرض تعزيز العمل الحزبي وترسيخ المؤسسات، لا إضعافها، والذهاب التدريجي نحو حكومات حزبية سيكون خطوة جوهرية لتخفيف الضغط عن الدولة وترسيخ مبدأ المسؤولية السياسية، ولهذا فإن أي تشويش على العملية برمتها سيصيب المسار السياسي والاقتصادي بأضرار لا داعي لها، لأن الاستقرار السياسي هو شرط للاستقرار الاقتصادي، والعكس صحيح.


وهنا يجب التأكيد على أن ليس من المنطقي أو الواقعي أن نقوم بالتضحية بمشروع وطني أردني مهم يعكس تصورات الملك لمستقبل الدولة تلك نفسها التي جاءت مشروع التحديث السياسي وعكستها قبلاً الأوراق النقاشية الملكية، من أجل أزمة جزئية يمكن التعامل معها واحتواؤها عبر مسارات وطنية أو سياسية أو دبلوماسية. الأردن تعامل سابقاً مع ملفات أصعب وأعمق من ملف جبهة العمل الإسلامي، الذي يبقى بوزنه كحزب كبير ويشكل جزءًا من مشهد أوسع، لم يُحسم بعد في دوائر القرار. ويرتبط هذا الملف بمتغيرات متعددة، منها ما يتعلق بالتحقيقات الجارية في قضايا التداخل المالي بين الحزب والجماعة، ومنها ما يرتبط بقدرة الحزب على قراءة خطورة هذه اللحظة التاريخية، وتقديم رسائل واضحة تطمئن الدولة والقوى السياسية المختلفة، وتمنع الانزلاق نحو خيارات مكلفة للجميع وحزب جبهة العمل الإسلامي ورغم اختلافي الفكري معه هو جزء أصيل من النسيج الوطني الأردني، شاء البعض أم أبى. والتعامل مع هذا المكوّن يجب أن يكون بمنطق الاحتواء السياسي لا بمنطق التأزيم. فالهجوم عليه أو التفكير بحلّه لا يخدم الدولة ولا المجتمع، بل يعقّد المشهد السياسي ويخلق حالة مواجهة غير ضرورية، خصوصًا في لحظة ترسّخ فيها العمل الحزبي كمسار رسمي ضمن مشروع التحديث. والأهم أن العمل الحزبي العلني الواضح أسهل في التعامل والمتابعة والتقييم من دفع أي تيار سياسي مهما كان للذهاب “تحت الأرض” أو ناحية “العمل السري” الذي سيجعل عملية التتبع والتوقع والمراقبة أصعب بكثير وتشتت الجهود وتضعفها. فالدمج والاحتواء يفتحان المجال لتطوير العمل السياسي تحت مظلة الدولة، بينما الإقصاء يخلق مسارات موازية قد تكون أكثر خطورة وتعقيدًا. لذلك، فإن صون التجربة الحزبية، وحماية المسار الديمقراطي، والتعامل العقلاني مع كل المكونات السياسية بما فيها جبهة العمل الإسلامي هي شروط أساسية لإنجاح مشروع التحديث، وضمان ألا يتحول إلى شعار معلّق بدلاً من أن يكون مسارًا وطنيًا فعليًا نحو المستقبل. فالتضحية بمشروع وطني كبير لمواجهة أزمة يمكن إدارتها بمنطق الدولة يعدّ تناقضًا مع أبسط القواعد السياسية، ويعرض الأردن لرسائل سلبية داخليًا وخارجيًا.

وفي هذا السياق لو اردنا النظر بحل مجلس النواب من ناحية دستورية وقانونية لا بد من التذكير بأن حلّ هو إجراء دستوري شديد الحساسية تحكمه أحكام المادة (74) من الدستور التي رتّبت آثارًا عميقة تتجاوز المجلس ذاته. فحلّ المجلس يعني دستوريًا أن الحكومة التي يتم الحل في عهدها تُجبر على الاستقالة خلال أسبوع إذا لم يكن الحل في الأشهر الأربعة الأخيرة من عمر المجلس، مع حظر إعادة تكليف رئيسها بتشكيل الحكومة التالية. وبمعنى أوضح، فإن أي حديث عن حلّ هذا المجلس هو حديث مباشر عن حلّ حكومة دولة جعفر حسان، وهي الحكومة التي تُعد بشهادة الأداء والواقع من أكثر الحكومات تجانسًا وثقة وقدرة على العمل المؤسسي خلال السنوات الأخيرة، سواء من حيث الانسجام الداخلي، أو وضوح الأولويات، أو إدارة الملفات الاقتصادية والسياسية ضمن مناخ إقليمي ودولي شديد التعقيد. قالمساس بمجلس النواب في هذه المرحلة  يفتح الباب لإرباك السلطة التنفيذية، ويقوّض حالة الاستقرار النسبي التي تشكّلت بين الحكومة والمجلس، وبين الحكومة الحالية والشعب ويبعث برسالة سلبية عن استدامة القرار والإدارة في الدولة، في وقت نحن بأمسّ الحاجة فيه إلى الثبات، لا القفز الى المجهول.

ولهذا، فإن حماية مجلس النواب واستكمال مدته الدستورية ليس خيارًا سياسيًا بل ضرورة وطنية ومسألة امن وطني. فالمجلس الحالي يشكّل إطارًا واقعيًا لإدارة الانتقال السياسي، بوجود أقلية معارضة قادرة على أداء دورها، ووجود توافق بين اغلب الاحزاب ووجود مساحة للحوار الاستراتيجي بين الدولة والقوى السياسية كافة. فلذلك كل من يطرح حلّ البرلمان اليوم، يطرح عمليًا حلّ مستقبلنا السياسي. فعلينا التذكير ان مشروع التحديث ليس مشروع حكومة أو دورة انتخابية بل هو مشروع بقاء دولة تتطلع إلى مستقبل مستقر وحديث ويتطلب تضافر جهود الجميع لإنجاحه. وأي إشارات للتراجع عنه ستكون مكلفة على صعيد المصداقية، وعلى ثقة الشباب، وعلى قدرة الأردن على حماية استقراره وسط عالم مضطرب. والحفاظ على مشروع التحديث واجب وطني لأنه ببساطة هو مشروعنا الاهم نحو المستقبل.