صبا حداد تكتب: عندما يصبح الشباب امتحان الدولة لا شعارها

 

صبا  حداد 

في كل دولةٍ تبحث عن توازنها، يظلّ سؤال الشباب هو الامتحان الأصعب، لأنهم ليسوا تفصيلًا ديموغرافيًا عابرًا، ولا رقمًا في تقارير البطالة، بل هم المعيار الأخلاقي والسياسي لعدالة الحاضر، قبل أن يكونوا رهان المستقبل.
عندما يُختزل الشباب في خطابٍ يراهم “وقودًا” لتدوير الزمن، أو طاقةً تُستنزف عند الحاجة ثم تُترك لرمادها، فإن الدولة تكون قد أساءت فهم جوهرهم. فالشباب ليسوا مادةً تُحرق، بل روحًا تُغذّي المعنى، وتمنع الفكرة من الصدأ، والمؤسسة من التكلّس، والوطن من التعب. هم الحيوية التي تعيد طرح الأسئلة حين يعتاد الكبار الإجابات، وهم القلق الخلّاق الذي يكشف الخلل قبل أن يتحوّل إلى قدرٍ لا يُردّ.
الشباب هم الامتحان الحقيقي لعدالة الحاضر، لأنهم يقفون على حافة المألوف، لا في قلب الطمأنينة. يرون ما لا يراه المستقرّون، ويشعرون بثقل الأخطاء قبل أن تتجذّر، ويتلمّسون آثار السياسات قبل أن تُغلَق ملفاتها بتوصيف “الواقع”. لذلك، فإن قلقهم لا يجب أن يُقرأ كضعف، بل كبوصلة، وغضبهم لا ينبغي أن يُدان بوصفه فوضى، بل أن يُفهم باعتباره نداء إصلاح، ورسالة تحذير مبكرة من مسارات خاطئة.
الدولة التي تطلب من شبابها الصبر فقط، دون أن تمنحهم دورًا، إنما تؤجّل أزمتها ولا تحلّها. فالوطن لا ينهض بالوعود المؤجّلة، ولا بالخطابات التي تمجّد الشباب لفظًا وتقصيهم فعلًا، بل ينهض حين يُشركهم في القرار، ويُصغي لأسئلتهم القاسية، ويمنحهم الثقة بوصفهم شركاء لا متلقّين، وصُنّاعًا لا جمهورًا.
إن الخوف الحقيقي على الوطن لا يكون بإسكات الشباب، ولا بتجريم أصواتهم، ولا بتأطير قلقهم في خانة الشغب أو عدم النضج. الخوف الحقيقي هو في تجاهلهم، لأنهم الأكثر قدرة على حماية الوطن من نفسه، من أخطائه المتراكمة، ومن منطقه الدفاعي الذي يرفض النقد باسم الاستقرار. فالشباب، بحسّهم النقدي وحدّة رؤيتهم، هم خط الدفاع الأول عن فكرة الدولة العادلة، القادرة على التجدد.
وحين تفهم الدولة أن شبابها ليسوا عبئًا يجب احتواؤه، بل رافعة يجب تمكينها، تتحوّل الطاقة المهدورة إلى قوة بنّاءة، ويتحوّل القلق إلى مشروع، والغضب إلى إصلاح، والسؤال إلى سياسة عامة أكثر عدلًا وواقعية. عندها فقط، لا يكون الشباب وقود الوطن، بل قلبه النابض، وعقله المتجدّد، وضمانته الحقيقية للاستمرار.