التل يكتب: اعتصام ذوي الإعاقة: عندما يصطدم حُلم الدمج القانوني بواقع الأسر المُنهَكة

 

د.مصطفى التل


تتجسَّد أمام مجلس النواب الأردني هذه الأيام معادلة صعبة في السياسات العامة: كيف نوفق بين مبدأ قانوني سامٍ وواقع إنساني عاصف؟!

اعتصام أهالي ذوي الإعاقة أمام البرلمان ليس مجرد احتجاج على إغلاق مراكز إيوائية، بل هو تجسيد حي لصراع عملي بين النظرية القانونية التي تنادي بالدمج المجتمعي، والواقع المعيشي القاسي للأسر التي تجد في هذه المراكز شريان حياة لأبنائها الأكثر احتياجاً.

يقوم هذا الاحتجاج على رفض تطبيق الفقرة (د) من المادة (27) من قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة الأردني، التي تهدف نظرياً إلى دعم دمج هذه الفئة في المجتمع عبر تقليل الاعتماد على المؤسسات الإيوائية.

النص القانوني واضح في توجهه النظري، ولكنه في التطبيق العملي يخلق فجوة هائلة مع واقع العائلات ,  الأهالي يوضحون هذه الفجوة بأبسط العبارات: "المراكز الإيوائية هي الملاذ الوحيد لأبنائنا من ذوي الإعاقات الشديدة والمتعددة".

في ظل أوضاع اقتصادية صعبة، وعدم قدرة معظم الأسر على توفير رعاية متخصصة داخل المنازل، يصبح هذا "الملاذ" ليس خياراً بين عدة خيارات، بل خط الدفاع الأخير ضد انهيار أسري كامل.

قلب الاعتصام يكمن في واقعية المطلب الذي يرفعه الأهالي ,  فهم لا يرفضون مبدأ الدمج المجتمعي في حد ذاته، بل يرفضون التطبيق المتسرع الذي يهدد بكارثة إنسانية.

مطالبهم تنقسم إلى مسارين واضحين، كلاهما عملي وواقعي:

المسار الأول :  الاستثناء الواقي، حيث يطالب الأهالي باستثناء المراكز الإيوائية من التطبيق الحرفي للقانون ,  هذا المطلب ليس دفاعاً عن نموذج رعاية قديم، بل اعتراف بحقيقة مفادها أن بعض حالات الإعاقة الشديدة والمتعددة تحتاج إلى رعاية مؤسسية متخصصة، لا يمكن للأسر خاصة محدودة الدخل توفيرها في المنزل ,  إنه طلب بحماية الفئة الأكثر هشاشة من تداعيات تطبيق قانوني لم يُصمم بأولويتهم في الاعتبار.


المسار الثاني :  المطالبة بالبديل الحقيقي قبل الإغلاق، حيث يطرح الأهالي سؤالاً جوهرياً: أين البديل؟!,  هم لا يقولون "لا" مطلقة للدمج، بل يقولون: "إذا كنتم جادين في إغلاق المراكز، فليكن لديكم أولاً حزمة دعم مجتمعي حقيقية وكافية".

هذه الحزمة يجب أن تشمل دعماً مالياً مباشراً يغطي تكاليف الرعاية المنزلية المتخصصة، وخدمات الرعاية المنزلية المؤهلة، وتدريباً للأسر على مهارات الرعاية، وتعديلات منزلية لتسهيل الحياة اليومية. الرسالة واضحة: لا إغلاق قبل التأهيل، لا إزالة للدعم القائم قبل بناء دعم بديل فعّال.

هنا تكمن المفارقة الكبرى التي يكشفها هذا الاعتصام : السعي النظري لدمج ذوي الإعاقة في المجتمع قد ينتج في التطبيق العملي الخاطئ عزلاً أشد وطأة ,  فبدلاً من دمج الشخص ذي الإعاقة في المجتمع، قد يؤدي إغلاق المركز الإيوائي دون بديل إلى حصره داخل جدران منزله مع قدرة أقل على التفاعل الاجتماعي، وتحمل الأسرة أعباء تفوق طاقتها مما يقلص قدرتها على دعم انخراط ابنهم في المجتمع، وحرمانه من الخدمات التأهيلية المتخصصة التي كانت تقدمها المراكز مما يحد من تطوره وقدرته المستقبلية على الاندماج.


الاعتصام يُعلّمنا ( كشعب , وسلطة تنفيذية وتشريعية)  دروساً مهمة في صناعة السياسات العامة/

أولاً، القوانين تحتاج إلى بوابات مرنة للتطبيق، فأي تشريع يهدف إلى تغيير واقع اجتماعي معقد يجب أن يضم آليات مرنة تسمح باستثناءات مبنية على تقييمات فردية، لأن تطبيق واحد لحجم واحد لا يناسب الجميع لا يعمل في قضايا الإعاقة المتنوعة

ثانياً، السماع لأصوات المتأثرين أولاً، فالأهالي وأولياء الأمور هنا ليسوا مجرد "مستفيدين من خدمات"، بل هم خبراء بالواقع اليومي لتطبيق السياسات، وأي نقاش حول مستقبل الرعاية يجب أن يبدأ بسماع شهادتهم وتحليل احتياجاتهم الميدانية.

ثالثاً، الأولوية للحلول التدرجية، فالانتقال من النموذج المؤسسي إلى النموذج المجتمعي لا يمكن أن يكون فصلاً قانونياً فجائياً، بل النجاح يحتاج إلى خطة انتقالية متدرجة، تستثمر في البنى التحتية المجتمعية وتختبر البدائل على نطاق محدود قبل التعميم.

اعتِصام أهالي ذوي الإعاقة أمام مجلس النواب هو أكثر من وقفة احتجاجية؛ إنه درس عملي في الفجوة بين التشريع والتطبيق,  الأهالي لا يرفضون فكرة الدمج، بل يرفضون الدمج الشكلي الذي يفتقر إلى المقومات الواقعية.

المطلوب الآن ليس التمسك الحرفي بنص قانوني، ولا الاستسلام الكامل للواقع القائم، بل بحث عن مسار وسطي يحترم روح القانون مع الاعتراف بتعقيدات الواقع ,  مسار يبدأ بتجميد أي قرار إغلاق حتى وجود بديل عملي، وتشكيل لجنة مشتركة من المشرعين والخبراء والأهالي لوضع معايير واقعية للدمج، وتطوير برامج تجريبية للدعم المجتمعي تختبر فعاليته قبل تعميمه، وضمان حزمة دعم شاملة لأسر ذوي الإعاقات الشديدة التي لا تتحمل الانتقال الفجائي.

جودة السياسات العامة تُقاس بمرونتها واستجابتها للواقع، وليس بصرامتها في التطبيق الحرفي و  الاعتصام الحالي هو فرصة ذهبية للانتقال من منطق "تطبيق القانون" إلى منطق "تحقيق العدالة"، ومن "الدمج النظري" إلى "الدعم العملي" الذي يحفظ كرامة الإنسان ويحترم ظروف أسرته.