العايدي يكتب: القيم (1): الجمال والخطاب المتشدد

 

د.محمد صبحي العايدي


الجمال بالمعنى الفلسفي العميق لا يقصد به الترف أو الزينة الشكلية، بل هو اكتمال الشيء بحسب غايته، باعتباره رؤية شاملة للحياة، ومنهجاً في فهم الإنسان والدين والكون، ومن هنا يصبح الجمال معياراً للقيم، لا تابعاً لها، فكل ما يقرب الإنسان من تمامه الإنساني فهو جميل، وكل ما يهدم إنسانيته مهما تلحف بالشعارات الدينية، أو تستر بنصرة الحق فهو قبيح، فالجمال ليس وسيلة، بل غاية تطلب لذاتها، لأنه يتوافق مع فطرة الإنسان وميوله العميق نحو الكمال، كما قال الغزالي: « إدراك الجمال فيه عين اللذة، وهذه اللذة محبوبة لذاتها لا لغيرها».
 

ومن هذا المنطلق لا يمكن فهم التشريع الإسلامي إلا بوصفه طريقاً للاكتمال الإنساني، فالأحكام لم تشرع لإخضاع الإنسان لقوانين الطبيعة، بل هو كائن عاقل أخلاقي متجاوز للطبيعة، ولم تسن التشريعات لإلغاء الحياة وهدرها، بل لحفظها وصيانتها، فالأمر بتزكية النفس مثلاً جاء من أجل صقلها وتكميلها، لا من أجل هدمها وموتها، حتى أكثر الأحكام التي يساء فهمها كآيات القصاص أو القتال، لا يمكن أن نقراءها إلا في أفقها الجمالي المقاصدي، فالقرآن يقول: « ولكم في القصاص حياة « ولم يقل : ولكم في القصاص عقوبة، حيث جعل الغاية من القصاص هو الحياة المستقرة الآمنة، فتعامل معه كوسيلة للحفاظ على حياة الناس واستقرارهم، التي هي غاية جمالية، ومحاولة أخيرة لحفظ المجتمع من الانهيار، لا كعقوبة لأنها ليست قيمة في ذاتها.
ومع ذلك يصرّ الخطاب المتشدد على قلب المعادلة: حيث يجعل الوسائل غايات، ويقدم الدين بوصفة أداة للموت لا مشروعاً للحياة، يتجاهل كل ما ورد في النصوص من مفردات الجمال: (كالرحمة والعدل والإحسان، والعفو والبر، والتزكية، والحكمة والنور وغيرها)، حيث تشكل هذه المفاهيم الغالبية الساحقة من المعاني الجمالية في القرآن، بينما لا تمثل آيات القتال والعقوبات إلا نسبة ضئيلة، جاءت في سياقات محدودة وبشروط صارمة، هذا الإصرار على اختزال الدين في نصوص الصدام والصراع، هو مصادرة واضحة لجوهر الجمال الذي قامت عليه الرسالة الدينية.
الجمال في الإسلام ليس واحداً بل متعدد الأبعاد، فالوحدة جمال كما أن الاختلاف جمال، والصداقة جمال كما أن العداء في سياقه القيمي جمال، لأنه يكشف القيم ويمتحنها، فبضدها تتميز الأشياء، بهذا المعنى يصبح التناقض نفسه عنصراً في هندسة إدراك المعاني، لا خللاً في المجتمع، حتى الكفر في باطنه يحمل إقراراً بالحقيقة كما قال تعالى: «وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم» فلا يفهم الإيمان إلا بفهم ضده، ولذا تجد أن الحكماء وأهل العرفان لم يرو في الكون إلا جمالاً بهذا المعنى.
ومن هنا يصبح التنوع الثقافي والفكري وما يعبر عنه بالفن والرسم والموسيقى والعمارة، جزءاً لا يتجزأ من القيم الدينية، وليس ترفاً حضارياً، بل تجليات لمعاني دينية عميقة، يرى في الجمال طريقاً للمعرفة والتواصل الحضاري، وفي الذوق باباً أوسع للفهم، وفي الإبداع شكلاً من أشكال الشكر الوجودي.
إن غياب فلسفة الجمال عن الوعي الديني المعاصر يشكل أزمة حضارية، فحين يفصل الدين عن الجمال يتحول إلى عبء، وحين تفصل الأحكام التشريعية عن غاياتها الجمالية، يتولد العنف والتطرف، وحين تقصى الفنون والتنوع والاختلاف تضيق الرؤية، ويغذى الصدام والصراع، فإعادة الاعتبار للجمال في الدين هو إعادة إلى جوهره الأول، وبحثاً عن جوهر الإنسان بوصفه قادراً على التميز الوجودي، والاكتمال الإنساني، لا كونه مجرد موضوع للثواب والعقاب.
وختاماً.. يمكن القول إن ترسيخ قيم الجمال في الخطاب الديني والمعرفي المعاصر، هو السبيل الأقوى لتفكيك معاني العنف والتطرف، إذ أن القوة المادية مهما بلغت غير قادرة لوحدها على تنقية المجتمع من هذه الظواهر، ما لم يعد بناء الإنسان من الداخل، فقيم الجمال هي وحدها القادرة على تغيير نظرتنا إلى الكون والحياة والآخر، فتحول نظرتنا من كون الاختلاف تهديداً، إلى كونه تعبيراً حراً عن الإرادة الإنسانية، ويتوسع أفق الحياة خارج ثنائية «نحن» و»هم»، في حضرة الجمال لا تكتمل الحياة إلا بالآخر، مهما بلغ الاختلاف، فلا شيء زائد في الوجود، بل كل شيء موضوع وفق نسق وحكمة متعالية، فلا إقصاء ولا عنف ولا انقسام، هكذا يكون الجمال هو الاسم الآخر لمعنى الدين والحياة.