صندوق التقاعد على مفترق طرق .. قراءة في الحاضر وذاكرة الخلل ومسار المعالجة


إلى الزميلات والزملاء أعضاء الهيئة العامة المحترمين، يقف صندوق التقاعد اليوم أمام مرحلة دقيقة تتطلب أعلى درجات الشفافية والمسؤولية المهنية، في ظل معطيات مالية واكتوارية متراكمة تعكس مسارا طويلا من الاختلالات البنيوية. وتضع النقابة بين أيديكم صورة الواقع الراهن استنادا إلى دراسات فنية ومالية وتشريعية، داعية إلى التريث وعدم استباق نتائج الدراسة الاكتوارية العاشرة أو تجاوز مسار المشاورات المؤسسية، تمهيدا لإطلاق حوار نقابي موسع يشارك فيه ممثلو الأعضاء واللجان والخبراء، بهدف بلورة خيارات تنفيذية واضحة تُعرض لاحقا على الهيئة العامة لاتخاذ القرار المسؤول.

في المشهد الحالي، تبرز أرقام تضع الجميع أمام اختبار القرار الهادئ لا الانفعال الآني، إذ تشير التقديرات إلى التزامات فورية حتى نهاية عام 2025 تقدر بنحو 84 مليون دينار، معظمها رواتب تقاعدية مستحقة غير مصروفة، فيما تصل فاتورة الرواتب السنوية إلى قرابة 65 مليون دينار، مع عجز سنوي يناهز 30 مليون دينار. هذه المؤشرات جاءت نتيجة مسار طويل من السياسات والقرارات التي تراكمت آثارها على مدى أكثر من خمسين عاما.

العودة إلى جذور الصندوق تفسر كثيرا من ملامح الأزمة الراهنة. فمنذ تأسيسه عام 1973 كآلية إلزامية لأعضاء النقابة، مر النظام بمحطات مفصلية غيّرت توازنه الاكتواري، بدءا من زيادات متكررة على الرواتب التقاعدية دون مواءمة هيكل الاشتراكات، مرورا بفترات طويلة ألغيت فيها إلزامية الاشتراك، وصولا إلى عوائد استثمارية جاءت أدنى من الفرضيات الاكتوارية. ومع مرور الزمن، تحولت هذه السياسات، التي اتخذت في سياقات اجتماعية أو استجابات آنية، إلى خلل بنيوي عميق تشير التقديرات الحديثة إلى أن فجوة تمويله تقارب 1.6 مليار دينار.

وتكشف المحطات المالية التي مر بها الصندوق عمق هذا الخلل، ففي عام 2013 تساوت إيرادات الاشتراكات مع قيمة الرواتب التقاعدية، ثم في عام 2014 لم تعد الاشتراكات وعوائد الاستثمار كافية لتغطية الالتزامات، ما دفع إلى السحب من أرباح المحفظة الاستثمارية، قبل أن يصل الصندوق في عام 2017 إلى مرحلة أكثر خطورة حين لم تعد الإيرادات مجتمعة تكفي لصرف الرواتب، فتم اللجوء إلى بيع الأصول. عند هذه النقطة، لم يعد الخلل مجرد أرقام، بل إشارة واضحة إلى مسار غير قابل للاستمرار.

أمام هذا الواقع، تحرك المجلس الحالي انطلاقا من إدراكه لخطورة المرحلة، واتخذ سلسلة من الإجراءات الهادفة إلى الحد من المخاطر الفورية وحماية أصول الصندوق، من خلال الفصل المالي والإداري بين الصناديق لمنع انتقال الخسائر، وتعليق الاقتراض البنكي لصرف الرواتب التقاعدية، وتجميد بيع الأصول دون وجود استراتيجية طويلة الأمد، إلى جانب التخارج من استثمارات ثبت عدم جدواها، وإعادة توجيه المحفظة الاستثمارية وفق دراسات فنية متخصصة.

وبالتوازي مع ذلك، اتجهت النقابة إلى المسار العلمي والمؤسسي، عبر التعاقد مع مؤسسة الضمان الاجتماعي لإعداد الدراسة الاكتوارية العاشرة المتوقع إنجازها في النصف الأول من عام 2026، وتكليف الإدارة التنفيذية بإعداد دراسة شاملة لواقع الصندوق منذ تأسيسه، تشمل الجوانب المالية والاستثمارية والاكتوارية، بهدف تحديد الفجوة التمويلية واقتراح الحلول الممكنة، إلى جانب تسريع مشاريع التحول الرقمي بما يخدم أعضاء الهيئة العامة ويعزز كفاءة الإدارة.

ولتعميق الشراكة وتوسيع دائرة النقاش، شُكلت لجنة توجيهية موسعة ضمت 74 عضوا، عملت من خلال فرق متخصصة تناولت إعادة تقييم الأصول العقارية، وهيكلة الاستثمارات، وتدقيق القروض، وتقييم المشاريع المتعثرة، وتحليل السيناريوهات الاكتوارية، إضافة إلى فريق إعلامي يعنى بضمان الشفافية والتواصل مع الهيئة العامة. وقد نتج عن عمل هذه الفرق إعداد خمسة سيناريوهات اكتوارية يجري بحثها حاليا مع اللجان المختصة، بانتظار ما ستخلص إليه الدراسة الاكتوارية العاشرة.

ورغم أن الإجراءات المتخذة أسهمت في تقليص المخاطر الآنية، إلا أن التحدي الحقيقي ما زال قائما، إذ إن معالجة الفجوة البنيوية تتطلب حزمة متكاملة من الإصلاحات التشريعية والمالية والفنية، تراعي تعدد الفئات ذات الحقوق داخل الصندوق، بما يشمل المتقاعدين والمشتركين الحاليين والمهندسين حديثي التخرج، على نحو يحقق توازنا عادلا بين هذه الفئات، ويضمن ألا تأتي الحلول على حساب المهندسين الشباب أو تمس فرصهم وحقوقهم المستقبلية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الحقوق المكتسبة وصون استدامة النظام للأجيال المقبلة.

وفي ظل ضغط اللحظة، تؤكد النقابة أن استباق نتائج الدراسة الاكتوارية أو تجاوز مراحل التشاور لن يؤدي إلا إلى حلول أقل عدالة وأكثر كلفة. فالأزمة التي تراكمت عبر نصف قرن لا يمكن تفكيكها بإجراءات جزئية أو قرارات متعجلة، بل بإصلاح استراتيجي متدرج وقابل للقياس، يقوم على حوكمة رشيدة، وفصل إدارة الاستثمارات عن القرار النقابي، وآليات رقابة ومساءلة واضحة. وفي هذا المفترق، يبقى الرهان على التوافق بين العمل المهني والنقابي، بوصفه الطريق الآمن نحو استدامة مدروسة لا تُفرض لاحقا بثمن أعلى.