العتوم يكتب : النظام الإيراني في غرفة الإنعاش
د.نبيل العتوم
لم يعد السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كان النظام الإيراني سيبقى أو يسقط، بل كيف ومتى وتحت أي سيناريو سيتم ذلك؛ فالمشهد العام ياساده يوحي بأن النظام دخل فعلياً غرفة الإنعاش السياسي والأمني والاقتصادي والعسكري ، حيث كل خيار مطروح أمامه يقوده، بدرجات متفاوتة، إلى النتيجة نفسها: نهاية منظومة الحكم بصيغتها الحالية، حتى لو طال الأمد أو تبدلت الواجهات؛ فإذا اختار النظام القبول بالشروط الأميركية، وتخلى عن عناصر قوته الأساسية من برنامج نووي وصاروخي وما تبقى من أذرع إقليمية، فلن يكون قد اشترى الأمن، بل مهلة قصيرة فقط لمواجهة حتفه بهدوء ...خاصة أن التجارب القريبة في المنطقة تقول بوضوح إن نزع السلاح لا يُنقذ الأنظمة، بل يعرّيها ويفككها ... حينها، ستجد واشنطن وحلفاؤها الطريق مفتوحاً للانقضاض السياسي والأمني والعسكري ، كما حدث للعراق وبعده في ليبيا ، حيث سقط النظامان بعد أن فُككت أدوات الردع، ولم يعد لديهما ما يفاوضان به أو يردعان به خصومهما.
أما إذا قرر النظام التمسك بسلاحه وقوته، والمضي في خيار التحدي والمواجهة، فهو يختار مساراً آخر لا يقل خطورة ؛ فالضربات المتوقعة، سواء كانت عسكرية مباشرة أو استخبارية صامتة، قد لا تُسقطه فوراً، لكنها كفيلة بشلّ قدرته على التحكم بالداخل..في ظل نظام مثقل بالعقوبات، ومُستنزف اقتصادياً، ومخترق استخبارياً، النتيجة الطبيعية أنه لن يكون قادراً على الصمود أمام أي موجة غضب شعبي جديدة، حتى لو نجح مرحلياً في قمع الشارع وقتل المتظاهرين .
في العمق، يبدو أن قرار إنهاء هذه الصيغة من الحكم الثوري ورفع أجهزة الانعاش بعد موته سريريا قد نضج في مراكز القرار الدولية، لكن الخلاف لا يدور حول المبدأ، بل حول الطريقة والتوقيت وهندسة البديل ؛ خاصة أن المزاج الإقليمي والدولي لا يميل إلى انهيار فوضوي شامل، ولا إلى تغيير دراماتيكي غير مضبوط قد يفتح أبواب التفكك والاقتتال الداخلي ... لذلك، يبرز سيناريو أقل ضجيجاً وأكثر براغماتية ، وهو ربما إحداث تصدع داخل هرم السلطة، يدفع جزءاً من النظام إلى الانفصال عن المسار المتشدد، وتولي مهمة الانفتاح على واشنطن وتهدئة الداخل والتسليم بشروط ترامب ، في محاولة لإدارة انتقال محسوب بدل السقوط الحر تمهيدا لاجراء جراحة شاملة لنظام الولي الفقيه برمته .
بالمحصلة يبدو النظام الإيراني اليوم كجسد موصول بأجهزة الإنعاش، لا يموت سريعاً، لكنه لم يعد قادراً على النهوض والحركة .... كل قرار يتخذه يطيل لحظة الانتظار، لكنه لا يغيّر النهاية....وبين الاستسلام والمواجهة، وبين القمع والانقسام الداخلي، تتحرك عقارب الساعة ببطء ثقيل، فيما تُكتب ملامح المرحلة القادمة في غرف صناعة القرار الدولي المغلقة، حيث لا مكان للعواطف والمشاعر ، بل فقط لحسابات الربح والخسارة والمصلحة بعد أن استنفد النظام الايراني كل فرص النجاة ومبررات دوره الوظيفي ....