إعادة فتح ملف جريمة حرائق القبائل في الجزائر والجدل حول المحاكمة العادلة

قرر القضاء الجزائري إعادة فتح أحد أكثر الملفات إثارة للجدل. وقد جاء ذلك بالنظر إلى كثرة الانتقادات الحقوقية التي وجهت إلى الإجراءات الأمنية والجزائية المتبعة. والتي قادت إلى محاكمة 81 شخصاً قبل أربع سنوات، صدرت في حق 49 منهم أحكام بالإعدام. وعُرفت القضية بـ"جريمة قتل والتنكيل بالشاب جمال بن إسماعيل" في خضم حرائق القبائل التي خلّفت مئات القتلى ودماراً واسعاً في الممتلكات.

وأكد محامون يشتغلون على الملف لصحافيين أن "المحكمة العليا"، وهي أعلى هيئة في القضاء المدني، نقضت الأحكام وقررت إعادة الملف إلى "الغرفة الجزائية بمجلس قضاء الجزائر العاصمة" (محكمة الاستئناف) مجدداً. وسيتم تنظيم محاكمة جديدة في 1 مارس المقبل، بعد أكثر من عامين من صدور الأحكام في الدرجة الثانية من التقاضي.

تفاعل سياسي

وأحدث هذا القرار تفاعلاً لدى قطاع من الطيف السياسي في البلاد. إذ دعا "التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية" المعارض، في بيان، إلى توفير ضمانات المحاكمة العادلة بما يحفظ كرامة الإنسان. مشدداً على أن الملف "يجسد نموذجاً للعدالة المستعجلة".

واعتبر الحزب، الذي يملك حضوراً لافتاً في منطقة القبائل شرق العاصمة، أن "سياق القضية طغى عليه الانفعال الجماعي والاعتبارات السياسية، ما أسفر عن تهميش الضمانات القانونية الأساسية". مشيراً إلى أن الإجراءات المتبعة والأحكام الصادرة "كانت محل طعن وعدَت غير متناسبة، مما خلف جرحاً عميقاً لدى عائلات المعتقلين والرأي العام".

قفص الاتهام

وعرفت القضية أيضاً بـ"أحداث الأربعاء ناث إيراثن" (بلدة في القبائل الكبرى حيث جرت الأحداث). ومنذ بداياتها الأولى، تبنى "التجمع من أجل الديمقراطية" بقيادة رئيسه عثمان معزوز خطاً واضحاً يرتكز على التنديد بـ"التوظيف السياسي للجهاز القضائي" والدفاع عن قرينة البراءة وحقوق الدفاع. ومواجهة ما سمّاه "حملات الوصم والترهيب التي طالت الأصوات الناقدة للمسار القضائي".

وأكد الحزب في بيانه أنه "صمد في موقفه هذا رغم العزلة والمناخ العدائي الذي ساد في فترات معينة". مشيراً إلى "تضامنه الكامل مع المعتقلين وذويهم". وفي أعقاب الإعلان عن موعد المحاكمة، بادر سكان منطقة الأربعاء ناث إيراثن إلى تنظيم لقاء تشاوري خصص لمناقشة وضعية المعتقَلين من أبناء المنطقة.

حيث أتاح اللقاء لعائلاتهم فرصة التعبير عن معاناة عميقة وإحساس متزايد بالظلم حيال ملف قضائي لا يزال معلقاً. ومشحوناً بأحكام قاسية، وفق ما أكده محامون ترافعوا في القضية.

قصاص تحت ضغط الشارع

ومع اقتراب موعد الجلسة المقبلة، يؤكد "التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية" أن "إعادة فتح المحاكمة ينبغي أن تتحرر من كل ضغط سياسي، لتكون محطة حقيقية لفحص دقيق وموضوعي لمجمل الملف". مشدداً على أهمية احترام صارم لمبادئ دولة القانون وضمانات المحاكمة العادلة.

وكانت محكمة الجنايات بالدار البيضاء في العاصمة الجزائرية، أصدرت في 24 نوفمبر 2022، أحكامها في "قضية مقتل الشاب جمال بن إسماعيل". وجاءت الأحكام متفاوتة بين الإعدام والبراءة، إذ قضت المحكمة بالإعدام في حق 49 متهماً وبالسجن النافذ لمدة عشر سنوات ضد 15 متهماً آخرين، فيما استفاد 17 شخصاً من أحكام البراءة.

وقد استمرت أطوار المحاكمة عدة أيام، تخللتها عروض لمقاطع مصورة صادمة توثق وقائع الجريمة. وكانت النيابة العامة قد التمست توقيع عقوبة الإعدام على 74 متهماً، على خلفية تورطهم في قتل وحرق جمال بن إسماعيل خلال شهر أغسطس 2021، على هامش الحرائق المدمّرة التي اجتاحت منطقة الأربعاء ناث إيراثن بولاية تيزي وزو.