العايدي يكتب: إشكالية التعليم الديني (3): علمانية الفقهاء

 

د.محمد صبحي العايدي


أخطر أشكال العلمنة ليست تلك التي ترفع شعار فصل الدين عن الحياة، بل تلك التي تنتج من داخل الخطاب الديني نفسه، فحين يعجز الفقيه عن ملامسة الواقع، وحين يعيش في زمن غير زمنه، هنا لا يبتعد الناس عن الدين لأنهم يرفضونه، بل لأنهم لم يعودوا يجدونه حاضراً في حياتهم، هكذا تنشأ علمانية خفية، فالناس يرتادون المساجد لكنهم يعيشون في السوق، وينخرطون في الأعمال، ويمارسون السياسة، من غير أن يستصحبوا الدين معهم، لأنهم لم يجدوا خطاباً يلبي حاجاتهم، وفتاوى تواكب واقعهم الجديد.
 

من المعلوم أن الدين يلامس حياة الناس، وليس عبادات تؤدى منفصلة عن حركة الحياة، فحين يدّرس الفقه على أنه مجموعة من الأحكام محفوظة بعيداً عن الواقع، يفقد وظيفته التاريخية، ورسالته الإصلاحية، وتتشكل فجوة صامتة بين التدين والحياة، وتجد أن الإنسان لا يترك عباداته عند حصول هذه الفجوة، ولكنه يتخذ قراراته الاقتصادية والأسرية والسياسية بعيداً عن أي أفق فقهي، لأن الفقه المعاصر الذي أمامه لم يعد حاضراً في تفاصيل حياته.
تتجلى هذه القطيعة في مثالين:
مثال المرأة، حيث ما زال يتحدث الفقهاء عنها كما لو كانت تعيش في نموذج اجتماعي لم يعد قائماً، ففي التصور السابق: المرأة جالسة في بيتها ينفق عليها زوجها وكل المهام خارج البيت موكلة للزوج، بينما تعيش المرأة اليوم واقعاً مختلفاً، فهي تعمل خارج بيتها في مواقع مختلفة، وتتبوأ مناصب عليا، وتتحمل المسؤولية مع الرجل، وتشارك في نفقة البيت، وقد تتعرض لأنواع مختلفة من الاستغلال لكونها امرأة، فحين تُفرض عليها فتاوى لا ترى واقعها ولا شروط عيشها، ولا تحمي حقوقها مع اختلاف واقعها وزيادة مسؤولياتها بحكم الظروف والواقع المختلف، هنا هي لا تستطيع أن تجعل كلام الفقيه مرشداً لها في ما يتعلق بواقعها الجديد، بل تمارس حياتها بعيداً عنه، لأنه يفتي لغير زمانها.
والمثال الآخر: الدولة الحديثة، حيث لا تكمن الأزمة فقط في تغير البنية السياسية، بل في أن الفقيه المعاصر لم يستوعب بعد مفهوم الدولة الوطنية الحديثة وأبعادها، بوصفها كياناً مستقلاً يدار بمنطق المواطنة والقانون، فكثيراً من الخطاب الديني ما زال يفكر بعقلية الامبراطوريات، ويقسم البلاد إلى دار حرب ودار إسلام، فينشأ انفصام عميق عند الإنسان الذي يعيش سياسياً في دولة حديثة، لكنه يخاطب دينياً بلغة تاريخية لم تعد قائمة، هنا يحتفظ الإنسان بعباداته، ولكنه يضطر إلى الاستدار عن هذا الخطاب، ليفصل بين التزامه الديني ونظام حياته العام، هكذا يسحب الدين تدريجياً من الحياة العامة، لا لأن الناس يريدون ذلك، بل لأن الخطاب الديني، والاجتهاد الفقهي لم يعرف كيف يدخل إلى واقع الناس الحديث. 
ومما يزيد الأمر سوءاً ما تقوم به بعض الحركات الدينية، عندما لا تستدعى الدين في حياة الناس إلا عند الصراع السياسي، فيلاحظ الناس أن الدين حاضر فقط في الصراعات والصدامات، ويترك الإنسان المعاصر بلا فقه يرافقه في حياته ومعاشه، وبلا شريعة تترجم إلى حلول واقعية، فيقرر مصيره وفق منطق الضرورة والمصلحة الشخصية، هنا تبلغ العلمانية ذروتها، فالدين تحول إلى أداة للتعبئة السياسية والصراع مع السلطة، لا منهج هداية.
هذا العزل للفتوى عن الواقع باستخدام الدين كأداة للمصالح الشخصية والمناكفات السياسية والحزبية، وتمسك الفقيه بأحكام لم تعد تصدق على حياة الناس، وخلو المنبر من توجيه الناس ليكون الدين حاضراً في واقعهم وحياتهم، بفعل هذا الانعزال تحول الدين إلى عبء بدل أن يكون رحمة، حيث جاءت الشريعة لرفع الحرج، ولكن الجمود على التراث من غير تبديل ولا تغيير بما يتناسب مع الواقع الجديد على مستوى الفرد والمجتمع والدولة، أوقع الناس في حرج شديد جعلهم يفصلون قسراً بين الفقه والحياة، من أجل تسير أمورهم ومعالجة أوضاعهم، في مشهد يغيب فيه الخطاب الديني والاجتهاد الفقهي المعاصر عن الساحة.
هكذا تتجلي علمانية الفقهاء في صورتها الأعمق، ليس لأنهم يدعون الناس إلى فصل الدين عن الحياة، بل لأن العجز الفقهي عن فهم الحياة، جعل هذا الفصل بينهما حتمياً، فتحول الدين إلى إيمان داخلي، والفقه إلى تراث مغلق، والحياة إلى ساحة للعمل بلا بوصلة هداية.