العتوم يكتب: صفقة الظلّ: هل تفاوض واشنطن الحرس الثوري لإزاحة خامنئي؟

 

 

د.نبيل العتوم


في كواليس الأزمة الإيرانية، لا يجري كل شيء تحت الأضواء. فبينما تُطرح علنًا خيارات التفاوض أو الضربة العسكرية، تشير معطيات استخبارية
إلى سيناريو أكثر تعقيدًا، يقوم على فتح قنوات تواصل  مباشرة مع الحرس الثوري نفسه، لا مع النظام ككل. هذا الطرح -اذا ثبت صحته - ينطلق من قناعة متنامية في واشنطن بأن المشكلة الأساسية لم تعد في الحكومة أو الواجهة السياسية ؛ بل في رأس الهرم، أي المرشد علي خامنئي، الذي بات يُنظر إليه كعائق أمام أي تسوية حقيقية أو استقرار داخلي.
المنطق الأميركي في هذا السيناريو يقوم على البراغماتية البحتة. فالحرس الثوري هو القوة الفعلية على الأرض، يملك السلاح، والاقتصاد، وشبكة النفوذ الداخلي والخارجي ؛ ففي لحظات الانهيار الكبرى، غالبًا ما تبحث القوى الدولية عن “الطرف القادر على التنفيذ”، لا الطرف الأكثر شرعية. من هنا، تظهر فرضية أن واشنطن قد تفضّل تفاهمًا مع الحرس، يضمن انتقالًا مضبوطًا للسلطة، بدل المغامرة بضربة عسكرية قد تُشعل المنطقة أو تفتح الباب لفوضى غير محسوبة.
في هذا السياق، يُنظر إلى تصاعد الخلافات داخل النظام، خصوصًا بين الحكومة والحرس الثوري، كفرصة وليس كعائق؛ فضعف موقع خامنئي، وتآكل هيبته مع اتساع الاحتجاجات، يفتح الباب أمام إعادة ترتيب داخلية قد يقودها الحرس نفسه، تحت عنوان “إنقاذ الدولة” ومنع الانهيار الكامل. مثل هذا السيناريو قد يتضمن إقصاء المرشد أو تحييده، مقابل ضمانات أميركية بعدم استهداف بنية الحرس أو تفكيكه فورًا، والتركيز بدلًا من ذلك على وقف القمع، وضبط الشارع، والدخول في مسار تفاوضي جديد يضمن تحقيق المطالب الأمريكية .
بالنسبة لواشنطن، هذه المقاربة تحمل كلفة أقل من الحرب، وتمنحها إنجازًا سياسيًا يتمثل في إسقاط رأس النظام من دون تدخل عسكري مباشر. أما بالنسبة للحرس الثوري، فهي قد تُعد صفقة بقاء، تحافظ على النفوذ وتمنع تحميله كامل مسؤولية الانهيار، مع إعادة تقديمه كلاعب “منقذ” لا كأداة قمع فقط. وبين الطرفين، يبقى خامنئي الحلقة الأضعف، خاصة إذا تزايد شعور الحرس بأن استمراره بات يهدد وجودهم هم.
صحيح أن هذا السيناريو محفوف بالمخاطر، وقد لا يُكتب له النجاح، لكنه يعكس تحوّلًا مهمًا في التفكير الأميركي: الانتقال من محاولة تغيير سلوك النظام إلى البحث عن تغيير مركز القرار نفسه. وفي ظل انسداد الأفق، وتضييق الوقت، واتساع الشارع، قد تصبح “صفقة الظل” خيارًا مطروحًا بجدية، حتى لو لم يُعلن عنها أبدًا.