الرواشدة يكتب: الفساد الإداري والتنفيع الوظيفي في الأردن: تحديات الحوكمة وفرص الإصلاح
انس الرواشدة
يشكل الفساد الإداري والتنفيع الوظيفي تحديين مزمنين ومعقدين يقفان عائقاً أمام تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات الحكومية في المملكة الأردنية الهاشمية. على الرغم من الجهود التشريعية والإصلاحية التي بذلتها الدولة على مر العقود، يظل هذان المظهران من مظاهر سوء الإدارة مستمراً في استنزاف الموارد العامة وتقويض مبدأ تكافؤ الفرص، مما يؤثر سلباً على الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. إن فهم جذور هذه الظواهر وآلياتها وتأثيراتها أمر ضروري لوضع استراتيجيات فعالة لمكافحتها وبناء دولة مؤسسات حديثة.
يُعرف الفساد الإداري بأنه إساءة استخدام السلطة العامة لتحقيق مكاسب شخصية أو فئوية، ويشمل الرشوة، والاختلاس، والمحسوبية، واستغلال النفوذ. أما التنفيع الوظيفي، فهو شكل محدد من أشكال الفساد يتركز حول المحاباة في التعيينات والترقيات والمناصب القيادية، غالباً بناءً على العلاقات الشخصية أو الولاءات السياسية أو القبلية بدلاً من الكفاءة والمؤهلات العلمية والخبرة العملية. هذان المفهومان مرتبطان ارتباطاً وثيقاً، حيث أن ضعف الرقابة وغياب الشفافية يفتحان الباب أمام استغلال المناصب لتوزيع المنافع غير المستحقة.
تتجذر مشكلة الفساد الإداري في الأردن في عدة عوامل هيكلية ومؤسسية. أولاً، يبقى ضعف الحوكمة في بعض الأحيان، خاصة في الهيئات والمؤسسات التي تفتقر إلى آليات رقابية داخلية وخارجية فعالة. فعندما تكون الإجراءات البيروقراطية معقدة وغير واضحة، يسهل على الموظف استغلال ذلك لطلب تسهيلات مالية أو عينية. ثانياً، تلعب ثقافة المحسوبية دوراً تاريخياً واجتماعياً عميقاً، حيث يميل الأفراد إلى الاعتماد على شبكاتهم الاجتماعية لضمان الحصول على خدمات أو وظائف، مما يضعف مفهوم المواطنة المتساوية.
التنفيع الوظيفي يعد من أكثر الأمثلة وضوحاً على الفساد الذي يلمسه المواطن بشكل مباشر. فعندما يتم تعيين مسؤولين في مواقع حساسة دون امتلاكهم الكفاءة اللازمة، تتأثر جودة الخدمات المقدمة بشكل كبير. على سبيل المثال، يمكن ملاحظة تأثير ذلك في بطء إنجاز المعاملات، وتدني مستوى التخطيط الاستراتيجي في بعض القطاعات العامة، وزيادة الهدر في الأموال العامة بسبب قرارات غير رشيدة نتجت عن تعيينات قائمة على الولاء لا الكفاءة. كما أن هذا التنفيع يولد إحباطاً هائلاً لدى الشباب الأردني المتعلم والمنتج الذي يرى أبواب الفرص مغلقة أمامه بسبب غياب العدالة في التوظيف الحكومي.
تتجاوز آثار الفساد الإداري والتنفيع الوظيفي الجانب الأخلاقي والاجتماعي لتصل إلى الاقتصاد الوطني. إن استمرار هذه الممارسات يؤدي إلى تآكل الثقة في نزاهة الدولة، وهو ما ينعكس سلباً على مناخ الاستثمار، سواء المحلي أو الأجنبي. المستثمرون يبتعدون عن البيئات التي تتطلب دفع مقابل الحصول على الموافقات أو التي لا تضمن تطبيقاً عادلاً للقوانين. علاوة على ذلك، يؤدي الفساد إلى تضخم القطاع العام بمتعاقدين غير منتجين، مما يزيد الأعباء المالية على الموازنة العامة ويؤخر تنفيذ مشاريع التنمية الحيوية.
على صعيد التشريع، اتخذ الأردن خطوات مهمة في محاربة الفساد، أبرزها إنشاء هيئة النزاهة ومكافحة الفساد، وتفعيل قانون حق الحصول على المعلومات. ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر هو التطبيق الفعال والصارم لهذه القوانين والابتعاد عن الانتقائية في الملاحقة. إن إنجاح أي حملة لمكافحة الفساد يتطلب إرادة سياسية حقيقية لا تتردد في محاسبة المتنفذين، بغض النظر عن مواقعهم أو انتمائهم.
لتحقيق إصلاح مستدام، يجب التركيز على عدة محاور. أولاً، تعزيز الرقابة الداخلية والخارجية من خلال تمكين ديوان المحاسبة وتفعيل دور الأجهزة الرقابية المعنية، مع ضمان استقلاليتها التامة عن السلطة التنفيذية. ثانياً، لا بد من إضفاء الشفافية الكاملة على كافة إجراءات التعيين والترقية في القطاع العام، والاعتماد بشكل حصري على نظام الكفاءات والمسابقات المفتوحة، وربما الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة لتقليل الاحتكاك البشري في اتخاذ القرارات الإدارية. كما يجب تفعيل آليات الحماية للمبلغين عن الفساد لضمان تدفق المعلومات الهامة دون خوف من الانتقام.
ثالثاً، يجب أن تبدأ المعالجة من القواعد الاجتماعية عبر تعزيز ثقافة النزاهة والمساءلة في المناهج التعليمية، وتصحيح النظرة المجتمعية للموظف العام كخادم للمواطن وليس كصاحب سلطة لطلب المنافع. إن محاربة التنفيع الوظيفي تتطلب تفكيك شبكات المحسوبية التي تعتمد على الولاءات الضيقة، واستبدالها بولاء واحد هو ولاء للمصلحة العامة للدولة الأردنية ومواطنيها كافة.
في الختام، يمثل الفساد الإداري والتنفيع الوظيفي عقبات هيكلية أمام الأردن في سيره نحو التنمية الاقتصادية والاجتماعية المنشودة. لا يمكن تحقيق إصلاح حقيقي ومستدام ما لم تكن هناك إرادة قوية لتحويل الإطار القانوني الناجز إلى ممارسة يومية تتسم بالصرامة والعدالة. إن استعادة ثقة المواطنين تتطلب شفافية مطلقة في إدارة شؤون الدولة، وتطبيقاً لا هوادة فيه لمبدأ أن الجميع سواسية أمام القانون، وأن التعيين والترقية يجب أن يكونا مكافأة للكفاءة وليس مكافأة للواسطة. هذه هي البوابة الحقيقية لضمان مستقبل أردني أكثر ازدهاراً وعدالة.
حفظ الله الأردن من كل الفاسدين المتنفعين من خيره ولا ينتمون إليه حق إنتماء.