العتوم يكتب: إيران أمام لحظة الحسم: إمّا المواجهة العسكرية… أو الاستسلام

 

د.نبيل العتوم

تدخل إيران اليوم منعطفًا بالغ الخطورة، حيث لم تعد التهديدات الأميركية مجرد تصريحات للاستهلاك الإعلامي، بل تحولت إلى خيارات فعلية مطروحة بقوة على طاولة القرار في البيت الأبيض. ومع تصاعد الاحتجاجات وسقوط أعداد متزايدة من الضحايا، بات واضحًا أن الملف الإيراني خرج من دائرة التحذير إلى مرحلة العدّ التنازلي، ما يضع طهران أمام اختبار مصيري لا يحتمل التسويف.

وفي هذا السياق، يشهد الداخل الأميركي نقاشًا محتدمًا حول الخطوة التالية. فمن جهة، هناك من يرى أن التراجع عن تنفيذ التهديدات سيُفسَّر في طهران كضعف، ويقوّض هيبة الردع الأميركي، ما يمنح النظام فرصة إضافية لسحق الشارع وإعادة ترتيب أوراقه. ومن جهة أخرى، يحذّر فريق أكثر حذرًا من أن أي ضربة عسكرية قد تصبّ في مصلحة النظام، عبر توحيد الداخل الإيراني خلفه وتحويل الاحتجاجات من أزمة داخلية إلى مواجهة مع “عدو خارجي”. وبين هذين الرأيين، يحاول الرئيس الأميركي الإمساك بالعصا من الوسط، عبر إبقاء خيار الدبلوماسية قائمًا، لكن تحت سقف زمني ضيّق وضغط متصاعد.

ومن هنا، تُقرأ الرسائل الإيرانية عن الاستعداد للتفاوض في واشنطن بكثير من الشك ؛ فالرأي الغالب أن طهران تحاول شراء الوقت لا أكثر، في ظل اقتصاد يترنّح، وعملة تفقد قيمتها، وشارع يغلي على وقع الغضب. لذلك، تتعامل الإدارة الأميركية مع هذه الإشارات بحذر شديد، وتحرص على إبقاء كل أدوات الضغط جاهزة، من ضربات محدودة ومدروسة، إلى هجمات سيبرانية، مرورًا بتشديد العقوبات وتوسيع العزلة السياسية.

لكن في المقابل، لا تغفل واشنطن كلفة أي خطوة عسكرية. فالضربة، حتى لو كانت محدودة، قد تفتح الباب أمام ردود انتقامية تطال القوات الأميركية وحلفاءها في المنطقة، ما يرفع منسوب المخاطر ويهدد بانزلاق تدريجي نحو تصعيد أوسع. ومع ذلك، فإن خيار الانتظار ليس أقل خطورة، إذ يمنح النظام الإيراني فرصة لالتقاط أنفاسه، وقمع الاحتجاجات، وتجاوز أخطر اختبار داخلي يواجهه منذ سنوات.

وعليه، تبدو إيران اليوم محاصرة بين خيارين لا ثالث لهما: إما الدخول الجدي في مسار تفاوضي قاسٍ، يتطلب تنازلات مؤلمة لكنه قد يفتح باب النجاة، أو الاستمرار في سياسة المكابرة والمواجهة، مع ما يعنيه ذلك من اقتراب شبح الضربة الأميركية. الرسالة الآتية من واشنطن باتت مباشرة: الوقت ليس مفتوحًا، والاحتجاجات لم تعد شأنًا داخليًا محضًا، بل عنصرًا أساسيًا في معادلة القرار الدولي.

بالمحصلة فان الأيام المقبلة ستكون مفصلية بكل معنى الكلمة.؛ فإما أن تلتقط طهران الفرصة الأخيرة قبل إغلاق نافذة الدبلوماسية، أو أن تنتقل الأزمة من مرحلة التهديد والتحذير إلى مرحلة المواجهة الفعلية، بكل ما تحمله من تداعيات قد تغيّر شكل المنطقة وموازينها لسنوات قادمة.