مدام نفيخة… حين يتحوّل الفراغ إلى إدارة، ويُمنح العبث ختم السلطة

 

قد يبدو الاسم ساخرًا أو مألوفًا من عالم الرسوم المتحركة، فـمدام نفيخة شخصية كرتونية خيالية ظهرت في مسلسل سبونج بوب سكوير بانتس منذ عام 1999م، واشتهرت بدورها كمعلّمة قيادة ترفع صوتها أكثر مما تستخدم عقلها. أدّت صوتها في النسخة الإنجليزية الممثلة الأمريكية "ماري جو كاتليت"، وفي النسخة العربية الممثلة "سهير البدراوي". غير أن الفارق المؤلم أن هذه الشخصية لم تبق حبيسة الشاشة، بل تسللت من الكوميديا إلى واقع إداري حقيقي، حيث تحوّل السلوك الكاريكاتيري إلى نمط إدارة، والصوت العالي إلى بديل عن الفكر، والفوضى إلى ممارسة يومية تُقدَّم على أنها “إنجاز”.

حين تختلط المعايير تُقاس الكفاءة بعلوّ الصوت لا بعمق الفكرة، تظهر على السطح شخصيات إدارية لا تنتمي لأي منطق واضح، ولا تشبه إلا ذاتها.
هنا تقف مدام نفيخة رمزًا لسلطة وُضعت في المكان الخطأ، فحوّلت الموقع إلى عبء، والمؤسسة إلى ساحة تجارب فاشلة، والأفراد إلى أدوات لإثبات ذاتٍ فارغة.

مدام نفيخة ليست حالة فردية، بل نموذج يتكرر في الكثير من  الإدارات التي تُدار بلا رؤية، وتخلط بين الحضور الشكلي والإنجاز الحقيقي. بيئة لا تسأل أبدا: ولا تُحاسب تختصر المشهد بسؤال واحد: من معنا؟ ومن ضدنا؟
الفراغ حين يرتدي بدلة رسمية يكون أخطر فمدام نفيخة لا تشعر بفراغها، ولا تعترف بجهلها، الفراغ هنا ليس نقص معرفة، بل غياب فهم، وانعدام رؤية، وعجز عن الربط الشامل بين القرار ونتائجه، وحين يُترك هذا الفراغ بلا مساءلة، يبدأ بالتمدد، ثم بالهيمنة، ثم بابتلاع كل ما حوله، فهي لا تقرأ الواقع كما هو، بل تعيد صياغته بما يناسب مصالحها. لا تحلل الأرقام،  بل تشكك بالناجحين، ولا تراجع الأخطاء، بل تبحث عمّن يجرؤ على كشف ماتقوم به. كل فكرة جديدة  تعتبر تهديد، وكل اقتراح إصلاحي مؤامرة، وكل رأي مستقل خطر مباشر على كرسيّ هشّ.

إدارة بالصوت لا بالعقل في قاموس مدام نفيخة، الهدوء ضعف، والحكمة  إضافة الصوت العالي دليل قوة، والتكرار إنجاز،  تتحدث كثيرًا لتخفي أنها لا تعرف، وتصدر قرارات متناقضة لتثبت حضورها، وتغرق في التفاصيل الصغيرة هربًا من الأسئلة الكبيرة التي تبين عمق التفكير ويكشف جهلها،
وعندما تفشل، لا تعترف أما النجاح إن تحقق دونها، فيُصبح موضع شك، وربما سببًا لإقصاء صاحبه بحجة “المصلحة العامة” وهكذا القانون.

صناعة الأعداء بدل صناعة الإنجاز
مدام نفيخة لا تُدير فريقًا، بل تُدير توترا دائما، وتحتاج إلى خصم لتبرير وجودها، فتقسم الناس إلى قسمين موالين يصفقون، ومعارضين يجب تحييدهم لأنهم خارج السرب. الكفاءة  هنا لا تحمي أصحابها، بل قد تجعلهم أهدافًا، لأن النجاح الصامت يفضح الضجيج الفارغ.

هي لا تحارب الخطأ، بل تحارب من يكشفه. لا تصلح الخلل، بل تعاقب من يشير إليه، فهكذا تتحول المؤسسة إلى مساحة خوف، ويغدو الصمت استراتيجية للبقاء، وتُدفن الأفكار والطموحات قبل أن ترى النور.

المؤامرة كمنهج عمل كل شيء يُفسَّر  هنا بنظرية خفية.....هذا ضدي، ذاك يطمع بمكاني، وتلك الفكرة تهدد نفوذي..... لا ترى الواقع كما هو...... بل كما يخدم منهجها، فتُهدر الوقت في مراقبة الناس بدل تطوير العمل، وتستنزف الجهد في الصراعات بدل البناء والتقدم.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي الفراغ حين يتحول إلى سلطة لا يكتفي بالعجز، بل يُنتج خرابا ممنهجا،  للثقة، العلاقات، ولكل محاولة إصلاح نتطلع لها.

فحين يصبح البقاء هو الهدف مدام نفيخة لا تسأل ماذا أضفت؟ بل كيف أبقى؟ البقاء ليس مسؤولية بل هاجس.... كل قرار يُقاس بمدى خدمته لاستمرارها، لا لخدمة المؤسسة أو الأفراد.... ومع الوقت تتآكل القيم، وتتحول الوظيفة العامة إلى مسرح شخصي تُدار فيه معارك صغيرة على حساب قضايا ومصالح عامة.
القصة ليست عن مدام نفيخة وحدها، بل عن كل منظومة تسمح بوجودها، وتغضّ الطرف عن عبثها، وتكافئ الفراغ بالصلاحيات، فالسلطة حين تُمنح لمن لا يفهم، لا تبقى محايدة  إما أن تُدار بعقل، أو تتحول إلى أداة إيذاء جماعي.

أسوأ أنواع السلطة ليست القمعية فقط، بل الجاهلة ......لأن القمع يُواجَه، أما الجهل المتسلّح بالصلاحيات، فيُرهق ويُربك ويُفسد بصمتٍ طويل، وهكذا، ستظل مدام نفيخة شاهدًا حيًا على حقيقة موجعة أن الفراغ، حين يجد كرسيًا، لا يجلس عليه بهدوء… بل يبدأ بإدارة الخراب والفوضى.