من حفر الحفرة وقع فيها… إيران تكتب فصلها الأخير بيدها
قال مدير برنامج الدراسات الإيرانية في مركز الدراسات الإقليمية، الأستاذ الدكتور نبيل العتوم، إن تصاعد حديث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن "خيارات متعددة" تجاه إيران لا يمكن فصله عن استراتيجية ردع عالية السقف، تهدف بالدرجة الأولى إلى توجيه رسائل مباشرة للقيادة الإيرانية وأجهزتها الأمنية، ووضع طهران تحت ضغط دولي متزايد.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن تصريحات ترامب، حين تُطلق في هذا التوقيت، تحمل دلالات سياسية وأمنية مزدوجة، إذ تسعى إلى إخراج الاحتجاجات الإيرانية من إطارها الداخلي، وتقديمها بوصفها ملفًا مراقَبًا من قبل الإدارة الأميركية، الأمر الذي قد يشرعن المضي قدمًا في سياسة "الضغط الأقصى"، سواء عبر فرض عقوبات جديدة على قيادات سياسية وأمنية وعسكرية، أو عبر توسيع أدوات الردع غير المباشر.
وبيّن العتوم أن هذا المسار يضع القيادة الإيرانية أمام معادلة شديدة التعقيد، فالقمع المفرط قد يستجلب تصعيدًا عسكريًا أميركيًا غير مسبوق، في حين أن التراجع يحمل كلفة داخلية كبيرة تهدد هيبة النظام وتماسكه، مشيرًا إلى أن خطورة اللحظة تكمن في أن أي قرار سياسي أو أمني إيراني بات محمّلًا بأثمان مرتفعة، داخليًا وخارجيًا على حد سواء.
وأوضح العتوم أن انتقال التهديد الأميركي من المستوى السياسي الرمزي إلى الحديث عن خيارات عسكرية عملياتية، يعكس دخول الملف مرحلة جديدة، لافتًا إلى أن تداول سيناريوهات ضرب مقار الحرس الثوري والأجهزة الأمنية، أو حتى توجيه ضربات أوسع تستهدف ما تبقى من البرنامج النووي والبرنامج الصاروخي الإيراني، لم يعد مجرد افتراض نظري، بل بات جزءًا من حسابات التخطيط.
وتطرّق إلى ازدواجية الخطاب داخل النظام الإيراني، موضحًا أن دعوات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى الاستماع لصوت الشارع وفتح مسارات إصلاحية، تتناقض مع خطاب المرشد والتيار المحافظ المتشدد الداعي إلى الحسم الأمني، منوهًا إلى أن القرار النهائي لا يزال بيد المرشد الأعلى والحرس الثوري، باعتبارهما الجهتين الممسكتين فعليًا بمفاصل صنع القرار.
وذكر العتوم أن اعتماد النظام الإيراني المستمر على خطاب "العدو الخارجي" و"الاستكبار العالمي" لتفسير الاحتجاجات، بات خطابًا مستهلكًا لم يعد يقنع الشارع، خصوصًا في ظل الطابع التراكمي والتصاعدي للاحتجاجات، التي انتقلت من مطالب اقتصادية إلى التشكيك بشرعية السلطة، واتسعت أفقيًا من طهران إلى المحافظات والأطراف، بما في ذلك مناطق ذات حساسية أمنية عالية كالأحواز وبلوشستان والمناطق الكردية.
وفيما يتعلق بالقيادة المحتملة للاحتجاجات، أشار العتوم إلى غياب رموز إصلاحية تقليدية كانت حاضرة في احتجاجات سابقة، مثل مير حسين موسوي ومهدي كروبي ومحمد خاتمي، لافتًا إلى أن الفئة العمرية الشابة المشاركة في الاحتجاجات اليوم لا ترتبط بهذه الأسماء، ليبرز في هذا الفراغ، رضا بهلوي بوصفه رمزًا سياسيًا يسعى إلى استثمار الحنين إلى مرحلة الشاه، ويطرح نفسه كعنوان قادر على التعبئة، والتواصل الدولي، والدعوة إلى شلّ النظام اقتصاديًا عبر الإضرابات والسيطرة على الساحات العامة.
ولفت إلى أن تداخل الاحتقان الاجتماعي مع البعد القومي والتاريخي في بعض المناطق الهامشية، ينذر بمرحلة أكثر خطورة، قد تشكّل اختبارًا حقيقيًا لقدرة النظام الإيراني على الاحتواء، في ظل بيئة إقليمية ودولية مشبعة بالضغوط، وسقف تهديد أميركي لم يعد يكتفي بالإشارات السياسية.