الفاهوم يكتب: حين تستبق الاستراتيجية السوق
الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم
يتحوّل العالم بوتيرة متسارعة تجعل الاكتفاء باستراتيجية تقليدية أمرًا محفوفًا بالمخاطر، مهما بدت متماسكة عند صياغتها. فالتحدي الحقيقي لم يعد في وضع خطة محكمة، بل في امتلاك قدرة مؤسسية على استشراف التحولات، والتنبؤ بحركة السوق ومتطلباته، والتفاعل معها قبل أن تتحول إلى واقع ضاغط. هنا، تصبح الاستراتيجية فعلًا استباقيًا، لا ردّ فعل متأخرًا، وأداة لقيادة التغيير لا لملاحقته.
في هذا الإطار، يبرز مفهوم “العمر الافتراضي للاستراتيجية”. فالاستراتيجية، كأي كيان حي، تولد وتكبر ثم تتقادم إن لم تُجدَّد. وعندما تفقد قدرتها على قراءة الاتجاهات الصاعدة، أو تفسير سلوك المستهلك، أو استيعاب التحولات التكنولوجية، تتحول من مصدر قوة إلى عبء ثقيل. لذلك، لا تقاس جودة الاستراتيجية بمدى التزام المؤسسة بها، بل بمرونتها وقدرتها على التكيف وإعادة التموضع في الوقت المناسب.
تؤكد التجارب العملية أن الاستراتيجيات الأكثر نجاحًا هي تلك التي انطلقت من قراءة مبكرة للسوق. فقد استطاعت أرامكس، منذ مراحلها الأولى، أن تستشرف تحولات التجارة العابرة للحدود، فانتقلت بالخدمات اللوجستية من كونها نشاطًا تشغيليًا تقليديًا إلى منظومة ذكية قائمة على التتبع، والموثوقية، والمرونة. هذا التوجه لم يمنح الشركة نموًا سريعًا فحسب، بل أطال العمر الافتراضي لنموذج أعمالها، ورسّخ موقعها لاعبًا إقليميًا قادرًا على التكيف مع تغيّر سلوك الأسواق.
وبالمنطق ذاته، أعادت زين الأردن تعريف دورها في السوق حين تنبّهت مبكرًا إلى أن مستقبل الاتصالات لا يتمحور حول المكالمات، بل حول البيانات والمنصات الرقمية والخدمات الذكية. هذا التحول الاستراتيجي، المبني على قراءة اتجاهات الطلب، مكّنها من الانتقال التدريجي من مشغّل شبكات إلى مزوّد حلول رقمية، وخلق لها مسارات نمو جديدة في سوق يتغيّر بسرعة.
وعالميًا، تقدم التجارب الكبرى نماذج أوضح على الاستشراف الاستراتيجي. فقد جعلت Apple من التصميم والابتكار جوهرًا ثابتًا في استراتيجيتها، متوقعةً أن المستهلك سيبحث عن التجربة لا عن المنتج فقط. بينما ذهبت Tesla أبعد من ذلك، حين قرأت مبكرًا التحولات البيئية والتكنولوجية، وأعادت تعريف السيارة بوصفها منصة رقمية قابلة للتحديث، لا مجرد وسيلة نقل. في الحالتين، لم يكن النجاح وليد المصادفة، بل نتيجة قدرة عالية على استباق اتجاهات السوق وصياغة قيمة جديدة قبل المنافسين.
أما أدوات النجاح الاستراتيجي في عصر عدم اليقين، فلم تعد محصورة في التحليل المالي أو خطط التوسع. بل باتت تشمل بناء سيناريوهات مستقبلية، وتحليل البيانات الضخمة، ورصد الإشارات الضعيفة في السوق، والاستثمار في رأس المال البشري القادر على الابتكار. فالاستراتيجية الناجحة اليوم هي التي تمتلك “حسًّا تنبؤيًا” يسمح لها بالتعديل المبكر، قبل أن يفرض السوق التغيير قسرًا.
وتؤكد نماذج مثل Netflix و*Airbnb* هذه الفكرة بوضوح. فالأولى تنبّهت مبكرًا لتحول أنماط استهلاك المحتوى، وانتقلت من تأجير الأقراص إلى البث الرقمي، فغيّرت قواعد الوصول إلى الترفيه. أما الثانية، فاستشرفت تحوّل مفهوم الضيافة، وأعادت صياغته من خلال منصة تشاركية دون امتلاك الأصول التقليدية. كلا النموذجين يبرهن أن الاستراتيجية الناجحة لا تنافس على حصة قائمة، بل تصنع سوقًا جديدة بمعايير مختلفة.
في السياق الوطني، تبقى المعضلة قائمة حين تُختزل الاستراتيجية في خطة محددة بإطار زمني طويل مدعمة بخطط تنفيذية سنوية تُراجع شكليًا، ثم تُهمَل تحت ضغط التشغيل اليومي. بينما تُظهر التجارب الأكثر نضجًا أن الاستراتيجية الفاعلة هي التي تتحول إلى ثقافة قرار، وأداة لتوجيه الموارد، ومعيار لتقييم الأداء والأثر. وحين تُبنى هذه الاستراتيجية على الاستدامة، والابتكار، والشراكات، وقياس الأثر، تصبح قادرة على الصمود أمام تقلبات السوق.
في الخلاصة، الاستراتيجية ليست وعدًا بالمستقبل، بل قدرة على قراءته قبل أن يصل. عمرها الحقيقي لا يُقاس بالسنوات، بل بمدى قابليتها للتجدد واستيعاب التحولات. وحين تدرك المؤسسات أن التنبؤ ليس ترفًا فكريًا، بل شرطًا للبقاء، تنتقل من موقع المتأثر بالسوق إلى موقع القائد له، وتبدأ عندها كتابة قصة نجاح لا تُدار بردود الأفعال، بل تُصاغ ببصيرة استشرافية واعية.