منصور يكتب: مدينة عمرة خطوة لمدن المستقبل
نضال منصور
ربما يكون مشروع مدينة عمرة أفضل ما أعلنت عنه الحكومات في السنوات الماضية، وباعتقادي خطوة مهمة في طريق إنشاء مدن مستدامة لها مخطط شمولي، بدل النمو العشوائي للمدن الأردنية منذ عقود.
التفاصيل التي أعلنتها الحكومة عن مدينة عمرة وافية، وشفافة، وإقامتها على أراضٍ مملوكة لخزينة الدولة مسألة مهمة، وكل الإشاعات التي خرجت عن أراضي المشروع ستتبدد، وعلى الحكومة أن تباشر الإنجاز، وتضع الرأي العام بالخطوات المتخذة لتدشين المرحلة الأساسية من المدينة بعد 5 سنوات.
مدينة عمرة ليست عاصمة جديدة، وليست عاصمة إدارية، هذا الكلام مهم، فأي مدينة مهما كانت لن تحل مكان العاصمة عمّان، وبناء المدينة جاء للتعامل مع التحديات السكانية المتزايدة في عمّان، والزرقاء.
حتى الآن؛ أعلنت الحكومة أن المرحلة الأولى من المدينة ستتضمن مركزًا دوليًا للمعارض سينجز عام 2027، ومدينة رياضية متكاملة، تضم إستادًا دوليًا لكرة القدم، ومدينة أولمبية يتوقع أن ترى النور عام 2029، ويرافق كل ذلك مدينة تعليمية تستثمر في التكنولوجيا، والحقيقة كل ما أُعلن عنه في هذه المرحلة مهم جدًا، وحيوي للأردن، ولا يمكن تطوير الرياضة، أو السياحة، أو التعليم بشكل جاد دون ذلك.
المرحلة الأولى من المشروع تقع على 40 ألف دونم، في حين أن المدينة بصورتها الكاملة بعد 25 عامًا ستكون على حيز يمتد على نصف مليون دونم، وكلها مملوكة حصرًا لصندوق الاستثمار الأردني الحكومي، الذي بدوره أسس الشركة الأردنية لتطوير المدن لمباشرة تنفيذ بناء مدينة عمرة.
هذا المشروع الطموح بالتأكيد يواجه تحديات، أبرزها توفر التمويل للإنجاز، وهذه النقطة تحديدًا لا أعرف التصور التفصيلي، وكل ما سمعته، وقرأته مرتبط بالشراكة بين القطاع العام والخاص، وفتح باب الاكتتاب في هذا المشروع الريادي المستقبلي، ولكن من المهم أن نسأل: ماذا لو كانت هناك مشكلات تمويلية لم تُحل؟ وهل هناك شراكات مع مستثمرين دوليين؟ وهل هناك وعود عالمية بمنح، وهبات لبناء هذه المدينة؟ وكيف نضمن استمرارية الحكومات في المضي بهذا المشروع بجدية، دون أن تأتي حكومة أخرى فترى المشروع ليس أولوية على أجندتها؟
لن تنجح هذه المدينة في استقطاب المشاريع، والاستثمار ما لم تكن منطقة حضرية تعج بالناس، ولهذا فتخصيص مساحات كافية للسكن، بأسعار معقولة، وبتسهيلات مالية تضمنها الحكومة لتشجيع الناس على القدوم إليها أمر أساسي.
إنشاء مدينة جديدة لتخفيف الضغط عن عمّان والزرقاء تصور مقبول، ولكن ذلك لا يغني عن معالجات جذرية للأزمات في عمّان والزرقاء، وبناء شبكة نقل عمومي ضرورة، وخط الباص السريع خطوة في الاتجاه الصحيح، ولكن المطلوب يتزايد كل سنة أكثر من ذلك، ويصبح توفر «مترو» تحت الأرض قمة الأولويات، ودون ذلك لن تُحل مشاكل عمّان بشكل جذري، والاستثمار في ذلك لا يقل أهمية عن بناء مدينة جديدة، وكذلك فإن التفكير في وجود خط قطار يربط المحافظات، والمدن الأردنية لا يقل أهمية، فلو فعلنا ذلك منذ عقود لما احتاج أهل إربد القدوم للسكن في عمّان، وكان بإمكانهم الذهاب والعودة بيسر في قطار بأسعار معقولة، فيقل الازدحام، ونضمن الراحة للركاب، ويبقى أهل إربد في مناطقهم، ويعمرون أراضيهم، وهذا ينطبق على الجنوب، وكل مكان، وهذا يزيد التشبيك الحضري، والانفتاح، والتفاعل، ويقلل حوادث السيارات، ويخفض التلوث البيئي.
ندعم مشروع مدينة عمرة، فهي خطوة إستراتيجية، وبالتوازي على الحكومة أن تفكر في حلول ناجعة لمشاكل المدن الرئيسة، وفي مقدمتها العاصمة عمّان، فلا يجوز أن تكون مدن المستقبل حلولًا للهروب من تحديات ستبقى مستمرة.