التل يكتب: عندما تبيع الجغرافيا أقدس مبادئها: كيف حوّل الاعتراف بأرض الصومال الأمن الإسلامي من عقيدة جماعية إلى سلعة في سوق الانفصالات؟!
د.مصطفى التل
يتجاوز الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال كونه مجرد حدث دبلوماسي عابر ليصبح اختراقاً استراتيجياً لبنية الأمن الجماعي الإسلامي.
في لحظة تاريخية يخوض فيها العالم الإسلامي معركة شرسة للدفاع عن شرعيته الأخلاقية والسياسية في مواجهة الحرب على غزة، يأتي هذا الاعتراف ليقلب الطاولة على المبدأ التأسيسي الذي حافظ على استقرار المنطقة لعقود: حرمة حدود الدول الأعضاء وسيادتها.
الخطير في هذه المعادلة أن الاختراق لم يأتِ عبر قوة عسكرية غاشمة، بل عبر بوابة "السوق السياسية" المفتوحة، حيث أصبحت السيادة سلعة قابلة للتفاوض، والانفصال مشروعاً قابلاً للتمويل من قوى خارج الإطار الحضاري للأمة.
حوّلت إسرائيل - من خلال هذه الخطوة - العالم الإسلامي من كتلة جيوسياسية ذات مصالح عليا مشتركة إلى ساحة مفتوحة للمزايدة، حيث يمكن لأي كيان جهوي أو عرقي أن يبيع ولاءه الجغرافي مقابل شرعية سياسية آنية.
الضربة الأعمق تتمثل في تحويل البحر الأحمر - الشريان الحيوي الذي يربط شرق العالم الإسلامي بغربه - من مجال للأمن الإسلامي المشترك إلى ساحة لصراع النفوذ.
وجود إسرائيل في السواحل الصومالية لا يعني مجرد قاعدة عسكرية جديدة، بل يعني قدرة على مراقبة وتوجيه دفة الاقتصادات الإسلامية المعتمدة على هذا الممر، وتحويل الأمن الغذائي والطاقي للدول العربية والإسلامية إلى رهينة للسياسات الإسرائيلية.
ولعل الأخطر هو الشرخ الذي أحدثته هذه الخطوة في الجبهة المعنوية للأمة , بينما تُسقط قنابل الغزة آخر بقايا الوهم بأخلاقية النظام الدولي، يأتي اعتراف كيان مسلم - وإن كان غير معترف به - بإسرائيل ليمزق الرواية الأخلاقية الموحدة، ويحوّل القضية المركزية للأمة من معركة وجود إلى سلعة في سوق المصالح الضيقة.
لقد نجحت إسرائيل في تحويل التضامن الإسلامي من إطار جامع إلى بضاعة سياسية، حيث يمكن التخلي عن القدس وغزة مقابل اعتراف دبلوماسي.
هذه اللحظة التاريخية تكشف أن الأمن القومي الإسلامي لم يعد ذلك المفهوم المجرد الذي يُطرح في قمم المنظمات الدولية، بل أصبح جثة تتنازعها سكاكين المصالح الضيقة.
بدلاً من أن يكون العالم الإسلامي حصناً منيعاً يحمي سيادته الجماعية، ها هو يتحول إلى فسيفساء من الكيانات المتنافسة، كل منها يبحث عن حامٍ خارجي حتى لو كان على حساب جاره المسلم.
السؤال المصيري الذي تطرحه هذه الأزمة : هل سيكون الاعتراف بأرض الصومال القطرة التي تُفيض الكأس وتدفع العالم الإسلامي لإعادة اكتشاف مفهوم الأمن الجماعي؟! أم سيكون بداية النهاية لفكرة "الأمة" ككيان جيوسياسي متماسك، ليحل محلها خرائط جديدة ترسمها أقلام القوى الخارجية وأطماع النخب المحلية؟!
الجواب ليس في دبلوماسية القصور، بل في إرادة الشعوب التي ترفض أن تكون جغرافيتها سلعة في سوق الانفصالات، وأقدس قضاياها عملة في سوق المساومات.