نادية سعدالدين تكتب: "التفكيك" في العقيدة الأمنية الصهيونية

 

نادية سعدالدين


يجد الكيان الصهيوني، كقوة احتلال استعمارية، في الشقوق والتصدعات العميقة داخل المنطقة العربية، وفي بُناها الهشة وضعف تماسكها واتساع نطاق صراعاتها ونزاعاتها البينية وأزماتها البنيوية الحادة، مدخلا مريحا للتحرك ضمن نظام إقليمي عربي يُعد الأقل استقرارا بين أقاليم العالم، والأكثر عرضة للاختراق الخارجي وبروز المحاور والأحلاف المتضادة في ساحته.
 

وغالبا ما تتوفر الأرضية الخصبة للاحتلال في نزعات انفصالية عن الكيانات «الأم»، سواء أكانت قائمة أم قيد التكوين، فيعمل على تشجيعها والتعاون مع فصائلها المتمردة ودعمها عسكريا وماليا ولوجستيا، وتوجيه خطاب إعلامي نحو تغذية الخلافات الداخلية وتضخيمها، وبناء سرديات زائفة للتشكيك في الهوية الوطنية الجامعة، واستغلال سوء الظروف المعيشية لإثارة السخط الشعبي وزعزعة الثقة بين الدولة ومواطنيها، وإيجاد مراكز قوى موازية لمؤسساتها الرسمية، بهدف إضعاف تماسكها المجتمعي.
ويعتمد الاحتلال اليوم في جنوب سورية (السويداء) وشمالها (قسد) وما يسمى «أرض الصومال» نفس النموذج «التفكيكي» الذي نفذه في ساحات سابقة، مثل جنوب السودان وإقليم كردستان العراق عند انفصالهما عن الوطن «الأم»، باعتراف الساسة الصهاينة أنفسهم، في إطار مخططهم التوسعي في المنطقة.
وتحتكم سياسة الكيان المحتل تجاه المنطقة العربية إلى محددات وضع أبرز خطوطها العريضة الصهيوني «ديفيد بن غوريون» (أول رئيس وزراء) وتناقلها من بعده رؤساء الحكومات المتعاقبة، مع إحداث تغيير في بعض مفاصلها حسب متطلبات المرحلة. وتقوم مضامينها، وفق ما أورده ضابط الموساد المتقاعد «موشي فرجي» في بحث صدر عن «مركز ديان لأبحاث الشرق الأوسط وأفريقيا»، على «إضعاف الدول العربية بمحاولة اختراقها داخليا والتحالف مع الأقليات التي تعيش ضمنها، بخاصة الأكراد في سورية والعراق، والموارنة في لبنان، وسكان جنوب السودان، واعتماد سياسة «شد الأطراف» بتكوين حلف الجوار أو محيط الدائرة، عبر مد جسور التعاون مع الدول المحيطة بالعالم العربي لإضعافه والضغط عليه من خارجه، والسيطرة على نقاط حيوية في البحر الأحمر لكسر محاولة حصاره وتطويقه، وتشكيل قاعدة انطلاق عسكرية لمهاجمة «الأعداء» في عقر دارهم، قبل مبادرتهم بالمواجهة»، وفق مزاعمهم.
وقد أضحت مضامين خطة «بن غوريون» أس نظرية الأمن الصهيونية ومفتاح التدخل في الشؤون العربية، عبر البحث عن شقوق وتصدعات داخل الجسد العربي ومصالح آنية وضيقة مع بعض نخبها، وأخرى مشتركة مع أقليات عرقية أو طائفية ضمن ساحته، لتشكيل أرضية التحرك الصهيوني الغربي نحو «التفكيك» بعد السيطرة، عملا بنظرية أن «اختلال التوازن القائم في إدارة الدولة من خلال المتضمنات التفكيكية على الصعيد الجغرافي، وفي مقدمتها الضعف المؤسسي وعدم التطابق بين السلطة والدولة والتناقضات القائمة داخل القطر الواحد والصراع بين الكيانات الإثنية «العرقية» المتعددة للاستئثار بالسلطة، تزامنا مع إذكاء الصراع في إطار ما يطلق عليه «الفوضى الخلاقة»، يساعد في تعميق وتسريع حالة التفكك بعد تغييب النزعة القومية التي تحد من نزعة الانفصال عن الخارطة «الأم»، والتي شكلت ديدن العقلية الصهيونية الغربية الاستعمارية تجاه المنطقة.
وعندما تصل الدولة المستهدفة صهيونيا، بسياسة «الاحتواء» و»الخطوة – خطوة» ومن ثم «التفكيك»، إلى مرحلة الإنهاك الداخلي؛ يصبح التغلغل الخارجي أكثر سهولة، وقد يتخذ أشكالا تبدو مشروعة ظاهريا؛ مثل التدخل الإنساني، والوساطة السياسية، والدعم الاقتصادي المشروط، والمساعدة الأمنية، ولكنها تُستخدم كغطاء لإعادة تشكيل موازين القوى الداخلية بما يخدم المصالح الاستعمارية ويُحد من استقلال القرار الوطني. وفي المرحلة اللاحقة يتحول «التغلغل» إلى تدخل مباشر أو شبه مباشر قد يصل إلى فرض ترتيبات سياسية أو دستورية جديدة، أو إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية والاقتصادية، وصولا ربما إلى «التفكيك»، حيث تصبح الدولة المفككة ساحة نفوذ بدلا من كونها فاعلا سياديا مستقلا.
لا شك أن الكيان الصهيوني يستعين بأداتي «التغلغل» و»التفكيك» ضمن ساحات عربية مأزومة لضمان وجوده واستمراريته، فكما أن إنهاء الانقسام الفلسطيني لا يصب في مصلحة مشروعه الاستيطاني الاستعماري في فلسطين المحتلة، فإن الوحدة العربية تهدد بقاءه ومخططه التوسعي في المنطقة. وبطبيعة الحال، فإن الدول التي تفشل في تحصين جبهتها الداخلية وبناء مؤسسات قوية شفافة وتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة، تفتح المجال أمام القوى الصهيونية والغربية للتدخل.