المنسي يكتب: السياسة ليست تنجيما
جهاد المنسي
في بلدٍ يُدار فيه النقاش السياسي بالعقل، وبالتحليل الدستوري، وبقراءة موازين القوى والمؤسسات، لا بالتنجيم واللغة الغيبية، يخرج علينا أحد المنجّمين العرب ليقدّم “توقعاته” حول مستقبل مجلس النواب، مبشّرا بعدم استقرار وتوتر، قبل أن يقفز إلى العبارة الأثقل والأكثر عبثية (شبح الانتقام).
هنا، لا بد من التوقف مطولا، لا عند التوقع بحد ذاته، بل عند هذه العبارة تحديدا، ما معنى (شبح الانتقام) في سياق مؤسسة دستورية؟ انتقام ممّن؟ وبأي أدوات؟ وعلى أي أساس؟ هذه ليست أسئلة لغوية عابرة، بل أسئلة سياسية ودستورية، لأن الكلمات في الشأن العام ليست زينة لغوية، بل تحمل دلالات ومعاني، وقد تُستخدم للتضليل أو التهويل.
وحتى لا يخرج علينا مؤيدو المنجّم ذاته بالتأشير إلى «صواب» ما قال في حال تم حل مجلس النواب، لا بد من الاستباق والتوضيح، بأنه حتى لو افترضنا -جدلا- أن مجلس النواب حُلَّ في مرحلة مقبلة، فإن ذلك لا يعني إطلاقا أن المنجّم «أصاب»، فحلُّ مجلس النواب فعل دستوري صريح، منصوص عليه في الدستور، ويأتي ضمن مسار سياسي واضح، لا بوصفه غضبا، ولا ردَّ فعل ثأري، ولا باعتباره عقوبة انتقامية، والخلط بين الحل الدستوري والانتقام ليس جهلا فحسب، بل تضليل لغوي فجّ.
فحلّ المجلس، إن وقع، لا يحمل دلالات نفسية ولا رسائل انتقام، بل يعكس تقديرا سياسيا لمصلحة عامة، لكنه يظل قرارا مؤسسيا. لا «شبحا»، ولا رسالة غامضة من عالم ما وراء السياسة.
المشهد النيابي، بكل ما فيه من إشكالات حقيقية، يُقرأ بأدوات معروفة منها طبيعة العلاقة بين النواب والحكومة، أداء لجان المجلس، قوة الكتل النيابية، وضغط الرأي العام، هذه معادلات سياسية طبيعية في أي نظام يسعى إلى التوازن، لا مؤشرات انتقام.
نعم، قد تشهد المرحلة المقبلة توترا، نعم، قد ترتفع سقوف الخطاب أو تشتد الرقابة، لكن، هل يعني ذلك وجود «انتقام»؟، قطعا لا، فالانتقام مفهوم شخصي، ينتمي إلى عالم المشاعر والثأر، لا إلى عالم الدستور والمؤسسات، وإقحامه في توصيف مجلس النواب ليس تحليلا سياسيا، بل إسقاط لغوي بلا معنى، هدفه الإثارة لا الفهم، والتخويف لا الشرح.
الأخطر من كلام المنجّم نفسه، هو التعامل معه بجدية، أو إعادة تدويره في النقاش العام، وكأن مستقبل السلطة التشريعية يُقرأ من حركة النجوم، لا من نصوص الدستور، ولا من أداء النواب، ولا من طبيعة العلاقة مع الحكومة، ولا من قوانين الانتخاب والأحزاب.
عمليا، نحن لا نعاني من «شبح انتقام»، بل من شبح أخطر هو «شبح الاستسهال»، استسهال الكلام، واستسهال التحليل، واستسهال تحويل السياسة إلى مادة للتسلية، بدل أن تكون شأنا عاما يخضع للنقد والمعرفة والمساءلة، فالخلل الحقيقي ليس في توتر متخيَّل، بل في تسطيح النقاش العام، وفي تحويل مؤسسة دستورية إلى مادة للتهويل، وفي التعامل مع السياسة بعقلية الأبراج لا بعقلية الدولة.
الحقيقة للأسف أنه ليست المشكلة في منجّم قال ما قال، فالساحة الإعلامية تعجّ بالغرائب، بل في القابلية السريعة لتلقّف هذا النوع من الكلام، والتعامل معه وكأنه توصيف سياسي أو قراءة جدّية، الخطر الحقيقي لا يكمن في «شبح» متخيَّل، بل في تراجع معايير النقاش العام، وفي قبول لغة سطحيّة تُفرغ السياسة من مضمونها، وتحوّل المؤسسات الدستورية إلى مادة للفرجة والتهويل، فمجلس النواب، مهما اختلفنا على أدائه، يبقى جزءا من بنية الدولة، ويُقاس فعله بالإنجاز والتشريع والرقابة، لا بالنجوم والكواكب، وحين نسمح للعبث اللغوي أن يتقدّم على التحليل، نكون قد شاركنا- عن قصد أو غير قصد- في إضعاف السياسة نفسها.
الخلاصة واضحة لا تحتمل التأويل، فما يُمارَس ليس قراءة للمشهد النيابي، بل تسطيح فجّ، واستهبال صريح للعقل العام، وحين تُناقَش مؤسسة دستورية بلغة المنجّمين، لا بلغة السياسة، نكون قد أسأنا للفكرة، وللنقاش، وللعقل، قبل أن نسيء إلى مجلس النواب نفسه.