الخيطان يكتب: احتواء الخلاف السعودي الإماراتي
فهد الخيطان
ليس جديدا على اليمن أن يواجه حالة كهذه من عدم الاستقرار والضياع. لعقود طويلة ظل حضور الدولة هناك هشا للغاية. ومنذ عقد من الزمن تقريبا افتقدت اليمن تماما الدولة والمؤسسات، وانقسمت على نفسها.
وفي حالة لا مثيل لها في حياة الدول، كانت البلاد، أو ما تبقى خارج سلطة الحوثيين، تحت حكم شكلي لشرعية تقيم في الخارج.
الجديد ليس أزمة اليمن، بل ما سببته من أزمة في العلاقات بين السعودية والإمارات العربية، وما يمثله البلدان من ثقل وتأثير في المنطقة والإقليم، بل أبعد من ذلك.
لم يكن التباين في مقاربات البلدين حيال عدد من الملفات الإقليمية، مضافا إليه التنافس على النموذج الاقتصادي، خافيا على المراقبين في الآونة الأخيرة، لكن كان الانطباع السائد أن ثمة هامشا واسعا لإبقاء هذه الخلافات في إطارها المحدود، وتجاوزها مع مرور الوقت.
بيد أن حادثة المكلا أظهرت أن ما وصفته التحليلات الصحفية بتراكم الخلافات قد بلغ لحظة غير متوقعة. شركاء في البيت الخليجي شعروا بخطورة الموقف.
سلطنة عمان التي طالما لعبت دور الإطفائي المحترف في الإقليم، وقطر التي اكتوت من قبل بنار الخلافات الخليجية، حاولتا في وقت مبكر التوسط لاحتواء الوضع بين البلدين، غير أن أحداث الميدان اليمني كانت قد سبقت الجهود الدبلوماسية، فتوقف الجميع بانتظار نتائج المواجهة الحاسمة في حضرموت، والتي انتهت مبدئيا لصالح قوات الحكومة الشرعية.
بالرغم من تصاعد الأزمة اليمنية، وانجراف أطراف الشرعية المتقاتلة صوب خيارات عسكرية وانفصالية، إلا أن قيادة البلدين؛ السعودية والإمارات، حرصت على عدم توسيع دائرة التصعيد خارج حدود المعادلة اليمنية. ذلك تطور مهم ينبغي البناء عليه بسرعة.
السعودية تتبنى اقتراحا يمنيا لجمع الأطراف حول مائدة الحوار في الرياض. والدعوة هنا تشمل كل من يتبنى الخيارات الوحدوية ويرفض المحاولات الانفصالية. لم تلق هذه الدعوة معارضة من الإمارات أو انتقادا صريحا، وهذه أيضا يمكن البناء عليها للمستقبل.
المسألة الملحة هنا ليست معالجة أوجاع اليمن المزمنة، أو تخيل حلول قريبة لمعضلة داخلية مضى عليها عقود طويلة. فالبلاد مقسمة بين قوى قبلية وثلثها تقريبا تحت سيطرة الجماعة الحوثية بما في ذلك العاصمة صنعاء. وما كان يعرف باليمن الجنوبي منهك بالصراعات كما شاهدنا. والشرعية ممزقة بين قبائل ومناطق ودول.
الأمر الملح هو احتواء الخلاف السعودي الإماراتي، قبل أن يستفحل. النظام الرسمي العربي يعاني من شلل رباعي، ويصعب أن يشفى منه في وقت قريب.
طوال السنوات القليلة الماضية، خاصة في السنتين الأخيرتين حيث الحرب الكارثية على غزة والتطورات التاريخية في دول المنطقة، كان الموقف العربي يتعكز على دور مجموعة صغيرة من الدول العربية لكنها مؤثرة وكان لها مواقف ساهمت إلى حد كبير في تثبيت الحق العربي والتأثير في مجرى الأحداث بما يمنع تدهورها ومضاعفة خسائرها. السعودية والإمارات إلى جانب الأردن ومصر وقطر، شكلت ما يشبه خلية عمل دبلوماسي عوضت غياب النظام الرسمي العربي في أكثر من مناسبة، وفتحت جسورا من التعاون مع شركاء من دول إسلامية وأوروبية، ساعدت على نحو مقبول في تأكيد الحضور العربي.
السعودية والإمارات لاعبان مهمان في قلب هذه المجموعة العربية، وأي خلاف بينهما سيكون له تداعيات سلبية على مجمل القضايا العربية والمصالح الإقليمية. يتعين على الدول المعنية أن تتحرك لتجاوز الإشكال الحالي، فالمنطقة العربية لا تحتمل مزيدا من الخسائر.