العياصرة تكتب: المنطقة العربية تُعاد صياغتها تحت النار..عام الاختبارات القاسية بلا خطوط حمراء

 

نيفين العياصرة


ما تشهده المنطقة العربية اليوم لا يمكن اختزاله في أزمات متفرقة أو تطورات ظرفية، نحن أمام لحظة إعادة تشكيل إقليمي تجري تحت ضغط الانفجار، حيث تتقاطع الحروب المؤجلة والانهيارات الاقتصادية وتآكل الدولة، مع صراع نفوذ إقليمي ودولي مفتوح، الخطر الحقيقي لا يكمن في اندلاع مواجهة واحدة إنما  في تزامن الأزمات وتحولها إلى سلسلة متصلة يصعب كسرها.

في فلسطين يتجه المشهد نحو لحظة تصعيد يصعب احتواؤها،الضفة الغربية لم تعد تحتمل منطق الإدارة الأمنية التقليدية، الأزمة الاقتصادية وانسداد الأفق السياسي، وتآكل الثقة بالقيادات، خلقت بيئة جاهزة للانفجار الشعبي غير المنظم، القدس تقف مجددًا كقلب الصراع، فأي تغيير في الوضع القائم  مهما بدا محدودًا يحمل في داخله قدرة على تفجير المشهد الفلسطيني والإقليمي معًا.


أما غزة فهي تواجه واقعًا بالغ القسوة، حصار طويل الأمدر ضغط إنساني خانق ومسار تفريغ بطيء للسكان تحت غطاء أمني، أي مواجهة مقبلة لن تكون معركة محدودة إنما  حدثًا واسع الداعيات يدفع المدنيون ثمنه أولًا.


لبنان يعيش على حافة الانهيار السياسي الكامل، الدولة غائبة بوصفها مرجعية جامعة، والاقتصاد في حالة احتضار، والانقسام الطائفي يتغذى على الفقر واليأس، أي شرارة إقليمية قد تعيد فتح جروح الحرب الأهلية  حتى لو لم تأخذ شكل صراع شامل منذ اليوم الأول.

سوريا بدورها لم تخرج من الحرب بقدر ما دخلت مرحلة جديدة منها،التنظيمات المتطرفة لا تزال كامنة، المليشيات حاضرة، والتدخلات الخارجية مستمرة،أي فراغ أمني أو تصعيد محدود قد يتحول بسرعة إلى انفجار أوسع في بلد لم يتعافَ اجتماعيًا ولا سياسيًا.


العراق يقف في قلب هذا المشهد بوصفه ساحة صراع مفتوحة على كل الاحتمالات. الاحتقان الشعبي خصوصًا في المناطق السنية يتقاطع مع صراع نفوذ بين المليشيات المسلحة وحلفائها الإقليميين، الدولة تبدو عاجزة عن فرض سيادتها الكاملة وأي تحرك شعبي قد يتحول إلى مواجهة دموية تتداخل فيها الحسابات الداخلية مع الرسائل الإقليمية، العراق اليوم ليس دولة مستقرة تنتظر أزمة إنما  أزمة مفتوحة تنتظر الشرارة.

إيران تواجه أخطر اختبار داخلي منذ عقود، الأزمة الاقتصادية وتآكل الطبقة الوسطى واتساع رقعة السخط الشعبي  كلها عوامل تضغط على النظام من الداخل، في المقابل يعتمد النظام على تماسكه الأمني وعلى تصدير أزماته إلى الخارج عبر تثبيت نفوذه الإقليمي، أي ضربة مباشرة، داخلية أو خارجية قد تُحدث تصدعًا واسعًا ستكون له ارتدادات فورية في العراق ولبنان وسوريا  والأردن وربما أبعد من ذلك.


في السودان  لم يعد الانقسام احتمالًا نظريًا إنما  مسارًا واقعيًا يتغذى على صراع السلطة والسلاح والموارد،
الصومال يظل نموذج الدولة العاجزة عن فرض سيادتها حيث يبقى العنف جزءًا من الحياة السياسية.

أما اليمن فيعيش حربًا مؤجلة لا منتهية، تُدار اليوم بأدوات سياسية واقتصادية بعد أن استُنزفت عسكريًا  فيما يزيد التنافس الإقليمي خصوصًا بين السعودية والإمارات من تعقيد المشهد بدل تهدئته.

على مستوى الخليج، التنافس بين القوى الكبرى لم يعد خفيًا إنما  بات يدار بهدوء محسوب في ساحات متعددة من الاقتصاد إلى الأمن إلى النفوذ الإقليمي، هذا التنافس لا ينفجر مباشرة لكنه يضغط على دول هشة ويحوّلها إلى مسارح اختبار لتوازنات جديدة.

ما يجري اليوم ليس تمهيدًا لحرب واحدة إنما  لانهيارات متزامنة،المنطقة تدخل عامًا تختبر فيه قدرة الدول على البقاء متماسكة وقدرة المجتمعات على عدم الانجرار إلى الفوضى، الناجون لن يكونوا أولئك الذين يرفعون أعلى الشعارات انما الذين يمتلكون مؤسسات قادرة على الصمود ووعيًا سياسيًا يمنع الانتحار الجماعي.

هذه مرحلة لا تدار بالعاطفة، بل بالحساب البارد، ومن يخطئ القراءة الآن، سيدفع الثمن لاحقًا… مضاعفًا... ومؤلمًا.