تقرير سنوي: السلام والهدوء وعودة الحياة الطبيعية.. أمنيات الشرق الأوسط في 2026

 

من غزة إلى السودان ولبنان، ومن إيران إلى اليمن وسوريا، تختلف تفاصيل وسياقات أزمات دول الشرق الأوسط لكن تطلعات الشعوب إلى سلام يسمح بعودة الحياة إلى مسارها الطبيعي تكاد تتطابق مع حلول العام 2026.

ولا تبدو هذه الأمنيات في العام الجديد شعارات سياسية بقدر ما هي مطالب إنسانية أساسية، ففي شرق أوسط أنهكته الصراعات، يبقى الأمل هو القاسم المشترك الوحيد، والمثابرة اليومية هي اللغة التي يتقنها الجميع في انتظار سلام أطول عمرا.

فالهدوء النسبي الذي فرضته بعض اتفاقات وقف إطلاق النار لا يبدو سلاما بقدر ما يشبه هدنة مؤقتة قابلة للانهيار عند أول اختبار حقيقي، إذ كشف العام المنصرم بوضوح أن طريق السلام أطول وأكثر وعورة من مجرد توقيع اتفاق أو إعلان هدنة.

-- المثابرة والأمل في خضم المعاناة

في غزة والسودان وجنوب لبنان، أطل عام 2026 بلا أضواء ولا احتفالات، مثقلا بذاكرة الحرب وقلق الانتظار، وصارت الأمنيات همسا بسيطا.

ففي قطاع غزة، حيث تتقاطع الذكريات مع الركام، تبدو أمنيات سكانه في العام الجديد أكثر تواضعا وعمقا في آن واحد: حياة عادية، وليل بلا قصف، ومستقبل لا يُقاس بعدد الناجين.

ومن بين هؤلاء علي أبو هربيد البالغ من العمر (39 عاما)، وهو متطوع في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني وأب لثلاثة أطفال.

يقف أبو هربيد أمام ما تبقى من منزله المدمر في حي النصر شمال مدينة غزة، يحمل طفله الصغير ذي العامين، بينما تتجول عيناه بين الحجارة المتناثرة كأنها شواهد على عام لم ينته بعد في ذاكرته.

فخلال العام الماضي، عاش أبو هربيد، الحرب بكل تفاصيلها القاسية، حيث لم تكن بالنسبة له حدثا عابرا بل تحولا جذريا في نمط الحياة، إذ يقول إن الشعور بالموت صار حاضرا في كل لحظة.

ورغم كل ذلك، يستمد أبو هربيد، قوته من إيمانه برسالته الإنسانية، وأمنيته اليوم بسيطة وواضحة: أن يعود إلى حياة طبيعية مع عائلته، أن يأكلوا طعاما جيدا، ويعيشوا بهدوء وسلام.

من زاوية أخرى في غزة، تتجسد الأمنية ذاتها بصوت مختلف. صوت ماجد الدحدوح (37 عاما)، وهو طبيب من مدينة غزة وأب لطفلين، كان يتحرك خارج مدرسة تحولت إلى مركز إيواء، بتوتر واضح، يشبك أصابعه ثم يفكها سريعا، فكل صوت مرتفع يعيده لاشعوريا إلى أيام القصف.

ورغم سريان وقف إطلاق النار في غزة منذ العاشر من أكتوبر الماضي، يؤكد ماجد أن شيئا لم يعد كما كان، ويتمنى في العام الجديد أن يستعيد جزءا من حياته السابقة، وأن يتمكن من إعادة بناء منزله، لكنه لا يعلّق آمالا كبيرة على مسارات السلام القائمة.

وفي السودان، ترتبط أمنيات مواطنيه بتفاصيل حياتية يومية: طريق آمن إلى المدرسة، رنين هاتف لا يحمل خبر كارثة، وعام جديد تعود فيه ليالي العائلات العادية.

عند مدخل مخيم بمنطقة طويلة في ولاية شمال دارفور، يقف السوداني آدم مرسال (39 عاما)، وهو متطوع منذ شهور، يرتدي جلبابا رماديا قديما تعلوه سترة بلاستيكية للحماية، وقد لفّ رأسه بعمامة بيضاء فقدت نصاعتها مع الوقت.

لا ينتظر آدم شخصا بعينه، لكنه يعرف أن القادمين سيصلون، ويقول وهو يشير إلى الطريق الترابي الممتد من بعيد "كل صباح تقريبا تصل مجموعات جديدة من الفاشر".

يعمل آدم على تنظيم الوافدين، وتوزيع المياه، وإرشاد الأسر إلى أماكن الإيواء المؤقت، أما أمنيته فواضحة وبسيطة: "أريد وقفا حقيقيا لإطلاق النار، وفتح ممرات إنسانية، حتى لا يصل الناس إلينا وهم في هذه الحالة".

في مكان آخر، وعلى أطراف مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان، يظهر مبنى قديم تحوّل إلى عيادة مؤقتة، تختلط في داخله أصوات السعال بصرير باب معدني يفتح ويغلق باستمرار.

تتحرك الطبيبة سلمى عبد الرحمن (42 عاما) بخطوات سريعة بين الأسرة، معطفها الأبيض يحمل آثار ساعات العمل الطويلة، وعلى جبينها خطوط تعب لم تفلح في إخفائها.

وتقول إن التجربة الأصعب كانت فقدان مريض بسبب عدم توفر أسطوانة أكسجين، "كنا نعلم كيف ننقذه، لكن الإمكانيات لم تكن موجودة، ذلك الإحساس بالعجز لا يفارقك".

وما أبقاها في موقعها، رغم كل شيء، هو إيمانها بأن الطب رسالة، وأمنيتها للعام الجديد "أن يستعيد السودان نظام رعاية صحية قادرا على العمل، وأن تعود المستشفيات بكامل طاقتها".

وفي القرى الحدودية بجنوب لبنان، تبدو الصورة معبرة عن الواقع: منازل مدمرة وأخرى متصدعة، طرقات تحمل آثار جنازير الدبابات، وحقول تحاول استعادة لونها الأخضر بعد أشهر من الغارات التي غيّرت وجه المكان.

وفي بلدة العديسة، الأقرب إلى الخط الأزرق الفاصل بين لبنان وإسرائيل، يقف السبعيني حسان أبو خليل فوق ركام منزله، ويشير إلى حفرة كبيرة أحدثتها قذيفة في باحته، ويقول إنهم قرروا العودة إلى بلدتهم رغم الجو المتوتر.

ويضيف "نزحنا لأكثر من عام إلى إحدى بلدات النبطية، وكانت فترة أشبه بسجن مظلم في ظل وضع اقتصادي مترد"، ومع حلول العام 2026، يتمنى "ألا تعود الطائرات للقصف مرة أخرى، وألا نضطر للمغادرة مرة أخرى".

وفي تلك القرى الحدودية الجنوبية، تتكرر العبارة نفسها على ألسنة الأهالي: لسنا بحاجة إلى وقف إطلاق نار على الورق، بل إلى سماء خالية من الطائرات المسيرة فوق رؤوسنا.


-- الوساطة والمساعدات وسط الصراعات

وسط هذا المشهد المثقل بالألم، تلوح أدوار الوساطة والمساعدة كخيوط دقيقة تشد ما تبقى من التوازن.

ففي الأردن، لا تُقاس أمنيات العام الجديد بالكلمات وحدها، بل بحركة الشاحنات المتوقفة، وبساعات الانتظار أمام معبر لم يُفتح بعد.

وفي داخل مركز العمليات اللوجستية التابع للهيئة الخيرية الأردنية الهاشمية، على بُعد نحو 30 كيلومترا شمال شرق العاصمة عمّان، كان مدير المركز وسام السقا غارقا في عمله، أمامه كومة كبيرة من الملفات، وعلى الطاولة هاتف لا يكاد يهدأ، يرد على مكالمة، ثم يعود مباشرة إلى الأوراق.

يشرح السقا أن المركز يستقبل يوميا كميات كبيرة من المواد المتبرع بها، لكن المعبر لم يُفتح بعد أمام مرور المساعدات المتجهة إلى غزة.

ويقول بأسف "إغلاق المعبر أثر علينا كثيرا، المواد بقيت مخزنة لدينا لفترات طويلة، ونحن قلقون جدا عليها، نتمنى في أقرب فرصة أن تُفتح المعابر ونرسل المواد إلى أهلنا وأشقائنا في غزة".

وعن أمنيته للعام الجديد، يقول بصوت يحمل مزيجا من التعب والأمل "أتمنى أن تنتهي هذه الحرب بشكل كامل، وأن يبدأ إعمار غزة، وتعود الناس إلى منازلها وبيوتها، وأن نرى غزة تُبنى من جديد".

أما في قطر، فتأخذ المساعدة شكلا سياسيا ودبلوماسيا، فبين تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار في غزة ومحاولة منعه من الانهيار، تواصل الدوحة لعب دور الوسيط المقبول من مختلف الأطراف.

ويؤكد المحلل السياسي القطري ورئيس تحرير صحيفة ((العرب)) القطرية فالح الهاجري، أن قطر تواصل أداء دور محوري في محاولات تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، مشيرا إلى أن العام المنصرم كان من أكثر الأعوام ازدحاما للدبلوماسية القطرية.

ويرى الهاجري أن قطر لا تتحرك بدافع الظهور السياسي، بل انطلاقا من مسؤولية إنسانية وأخلاقية، ولا يستبعد إمكانية حدوث تغيير جوهري في العام 2026، إذا ما جرى تثبيت المرحلة الثانية من اتفاق غزة.

ويختتم الهاجري حديثه برسالة تختصر جوهر أمنيات العام الجديد في الشرق الأوسط "المنطقة لا تحتاج إلى إدارة أزمات، بل إلى سلام عادل يقوم على الكرامة، سلام يحفظ حقوق الفلسطينيين، ويوقف دائرة الدم التي تستنزف الجميع".


-- البحث عن السلام في وقت الشدائد

في إيران واليمن وسوريا، تتسرب الحيرة إلى لغة الناس اليومية، شكوى من غلاء المعيشة، وتفاؤل هش بحياة طبيعية في ظل بحث دائم عن الهدوء والسلام.

ففي إيران، تنعكس الحيرة في لغة الناس اليومية، يشكو المواطنون من تقلب الأسعار وانعدام القدرة على التخطيط للمستقبل.

السيد مهدي، وهو موظف من الطبقة المتوسطة، يختصر هذه الأمنية بعبارات صادقة تعبر عن همّ مشترك لدى كثير من الإيرانيين، يقول إن الجميع يتمنى اقتصادا مستقرا، "ألا ترتفع أسعار السلع باستمرار، وألا نواجه سعرا جديدا كل يوم".

وفي مخيم نزوح شمال مدينة عدن اليمنية، يعيش المعلم اليمني خالد سليمان (48 عاما) مع أسرته منذ نزوحهم القسري عام 2025، آثار التعب بادية على وجهه، كما تعكس ملابسه المهترئة وشح المياه داخل المخيم قسوة الحياة اليومية.

ويعاني خالد، الذي عمل لأكثر من خمسة وعشرين عاما معلما للغة العربية في مدينة الحديدة من تدهور صحته واستمرار القلق على مستقبل أطفاله.

ويعبر خالد عن أمنيته بأن يحمل عام 2026 سلاما حقيقيا ودائما لليمن، يسمح بعودة الحوار السياسي، وفتح الموانئ والمطارات، وتمكين الناس من العودة إلى بيوتهم وإعادة بناء حياتهم.

ويقول "أحلامنا بسيطة: طعام، ودواء، وعمل كريم، نريد أن يكبر أطفالنا في المدارس لا في الخيام".

وفي سوريا، ومع انقضاء أيام عام 2025 ودخول الشتاء بثقله القاسي، يجلس أكرم محمود الشحادة (66 عاما) على كرسي بلاستيكي منخفض وسط أنقاض منزله في ريف محافظة حماة.

ويشير الشحادة الذي يعيش في خيمة بدائية من قطع قماش مشمّع إلى الخراب المحيط به، ويقول بصوت هادئ "هذا كل ما تبقى، لكنه ما زال بيتي".

ورغم ما وجده من خراب ودمار في قريته، لا تحمل كلمات الشحادة غضبا أو ندما، وفي 2026، تبدو أمنيته بسيطة وعميقة في آن: "لا نطلب معجزات، نريد أن تعود المدارس، وأن تعمل العيادات، وأن تجري المياه، وأن تعود العائلات، وقبل كل شيء، نريد السلام، سلاما يعني حياة لا نخاف فيها من الغد".