كلام صريح بحق حماس
قال المحلل السياسي من غزة مصطفى إبراهيم إن حركة "حماس" تجد نفسها اليوم أمام واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا منذ نشأتها، في ظل تداخل غير مسبوق بين تداعيات الحرب، والضغوط الإنسانية الهائلة، والتحديات التنظيمية والسياسية التي تتجاوز بطبيعتها خبرات أي تنظيم سياسي أو عسكري منفرد.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن محاولات الحركة إعادة تفعيل حضورها الأمني والإداري في قطاع غزة، عبر فتح مراكز الشرطة وتنظيم الشأن العام، تأتي في إطار السعي إلى منع الانفلات والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار، غير أن محدودية الإمكانات، وانعدام الموارد، واستمرار الحصار، تجعل من الصعب ترجمة هذا الحضور إلى تحسّن ملموس في حياة المواطنين، وهو ما يفسّر حالة الإحباط المتزايدة في الشارع الغزّي.
وبيّن ابراهيم أن الحرب انعكست على منظومة القيادة واتخاذ القرار، في ظل خسارة عدد كبير من القيادات السياسية والإدارية، ما أفرز تحديات حقيقية في إدارة القطاع وفي التواصل بين القيادة الموجودة خارج غزة والواقع الميداني المعقّد داخلها، دون أن يكون ذلك تعبيرًا عن خلل تنظيمي بقدر ما هو نتاج لظروف استثنائية قاهرة.
ونوّه إلى أن الخلافات التي ظهرت داخل أطر الحركة خلال المرحلة الأخيرة يمكن فهمها في سياق البحث عن مقاربات مختلفة للتعامل مع مرحلة ما بعد الحرب، وليس بوصفها صراعًا داخليًا تقليديًا، حيث باتت الأسئلة المطروحة أكبر من مسألة القيادة، وتمس جوهر الدور وحدود الحكم في ظل واقع إنساني منهار.
ولفت ابراهيم إلى أن تشكيل أطر قيادية انتقالية، مثل "المجلس القيادي"، يعكس محاولة لإدارة التوازنات الداخلية والحفاظ على تماسك الحركة إلى حين اتضاح ملامح المرحلة المقبلة، مشيرًا إلى أن هذا الخيار يعكس إدراكًا داخليًا لحجم التحدي، وليس رغبة في إعادة إنتاج السيطرة أو تكريس الأمر الواقع.
واستطرد قائلًا إن النقاش الدائر حول الانتخابات الداخلية لا يمكن فصله عن الحاجة إلى إعادة ترتيب البيت التنظيمي، إلا أن التحوّل العميق في المزاج الشعبي داخل غزة يجعل معايير الشرعية اليوم مختلفة عمّا كانت عليه سابقًا، حيث بات الناس يقيسون الأداء بمدى القدرة على تأمين مقومات الحياة الأساسية، لا بالشعارات أو الرمزية السياسية.
وأشار إلى أن المجتمع الغزّي، بعد شهور طويلة من القصف والنزوح وانهيار البنية التحتية، لم يعد في موقع الحاضنة السياسية لأي طرف، بل في موقع الباحث عن الحد الأدنى من الأمان والاستقرار، وهو ما يضع جميع القوى، بما فيها "حماس"، أمام مسؤوليات تتجاوز قدرتها الفردية وتستدعي حلولًا وطنية أوسع.
وتابع إبراهيم أن التحديات الأمنية الداخلية، بما في ذلك انتشار مجموعات مسلحة خارجة عن السيطرة، تمثل عبئًا إضافيًا على الحركة، التي تحاول التعامل معها في ظل ظروف شديدة التعقيد، مشيرًا إلى أن أي مقاربة أمنية، في غياب أفق سياسي وإنساني واضح، تظل محدودة الفعالية بطبيعتها.
وحذر من أن الأزمة في غزة اليوم ليست أزمة حركة أو فصيل بعينه، وإنما أزمة عميقة تتجاوز قدرات أي جهة منفردة، وتحتاج إلى مقاربة وطنية شاملة توازن بين متطلبات الصمود، وضرورات الحياة اليومية، وحق الناس في الكرامة والأمان، مضيفًا أن مستقبل القطاع مرهون بقدرة الجميع على الانتقال من إدارة الأزمة إلى البحث عن مسار إنقاذ جماعي.