وليد عبد الحي يكتب: التباسات فنزويلية

 

وليد عبد الحي

بغض النظر عن " الحكم القانوني" للعملية الامريكية في فنزويلا واختطاف رئيسها، هناك ملابسات لا بد من اثارتها:

أولا: منذ بداية 2025 والرئيس الامريكي ترامب يكرر اتهاماته لفنزويلا وتحديدا لرئيسها ، وقبل ايام قليلة قال ترامب بالنص" ان ايام مادورو في السلطة باتت معدودة"، ويدرك مادورو وكل القوى السياسية المعادية لامريكا ان فكرة القوة والبراغماتية هما سنام المنظومة القيمية الامريكية ، وان تاريخ العلاقة بين امريكا الجنوبية وامريكا الشمالية لا ينطوي الا على سياسات التدخل العسكري التي تجاوزت 21 مرة منذ 1898، اي بمعدل مرة كل 6 سنوات، ناهيك عن الاطار العام الذي كرسه مبدأ مونرو(1823) بان امريكا اللاتينية " منطقة لا يجوز لقوى اخرى التواجد فيها".

ثانيا: رغم كل ما سبق، فان العملية العسكرية لاختطاف مادورو تمت –طبقا لكل التقارير المتوفرة حتى الآن- بيسر شديد، وكأن مادورو مواطن عادي داهمت منزلة الشرطة واعتقلته، فالضربات الجوية التي رأيناها على شاشات التلفزيون لا تكفي لتفسير هذا اليسر والسرعة في الاختطاف، والدليل :

أ‌- عدم وقوع اصابات في القوات الامريكية بل وعدم اصابة اية طائرة او غيرها من المعدات العسكرية.

ب‌- لم يتم الحديث في اي جهة اعلامية عن اشتباكات مع قوى فنزويلية

ت‌- التأخر غير المفهوم في البيانات الفنزويلية عما حدث.

ث-هل كان مقر اقامة الرئيس بدون حراس للمبنى او حراس لشخصه، اين هم وما دورهم ،اين كانوا؟...اسئلة كثيرة

ولو قارنا اختطاف مادورو مع ما جرى مع صدام حسين، نجد ان الهجوم الامريكي على العراق بدأ في 20 آذار وانتهى في 13 نوفمبر من نفس العام ،اي استغرق الامر قرابة تسعة شهور، حتى نورييغا في بنما استغرق اعتقاله حوالي اسبوعين ،وبن لادن حوالي عشر سنوات...الخ، فلماذا تم الامر مع مادورو بكل هذا اليسر المدهش.

من بين الغوايات التي يعيشها الكثير من الزعماء هو غواية الشارع، فصدام حسين او القذافي او عبد الناصر او بشار الاسد او مويس تشومبي او أردوغان أو ستالين او ملوك كثر تقوم اجهزتهم بحشد مئات الآلاف لتصفق وترفع صورهم ، لكنهم لا يعلمون ان هناك من يجلسون من نفس الشعب في بيوتهم وباعداد تفوق ما يحتشد في الشارع ينفثون الكره لهؤلاء القادة، ولعل الانتخابات الديمقراطية الحقة تشير-وهناك دراسات حول هذا الامر لا يتسع المقام لتفاصيلها- ان مراقبة نتائج الانتخابات الرئاسية في 25 دولة توصف بالديمقراطية الكاملة تشير الى ان معدل فوز الرؤساء في هذا الدول يتراوح –المعدل- بين 52% و 54%...اي ان 48 او 46% لا يريدون الفائز، فكيف بالدول الاستبدادية؟ان هوس الحكام بحشود الشارع المصنوعة،وطربهم للاغاني والصور التي يلصقها الموظفون في الشوارع والمكاتب يعميهم عن التغلغل الاستخباري الاجنبي في مخادعهم، فهل كان ذلك جزءا من السيناريو الفنزويلي؟

ثالثا: الالتباس الثالث في موضوع فنزويلا ان ترامب يقول نصا "سندير فنزويلا، وسنضمن البترول للصين وغيرها"، اي انه يريد تطبيق مبدأ مونرو مع توسع في تفسير النص، ناهيك عن تهديد ترامب لانصار مادورو(ولعل نائبة الرئيس ووزير دفاعه وداخليته هم نقطة التركيز في هذا التهديد)، وهنا نسأل : الا تدل تصريحات ترامب وسلوكه على أن القانون والسيادة والعدل والاستقلال ليست ضمن قاموسه السياسي ، فالعالم في نظر ترامب هو "الدولار" حتى في حلبات المصارعة التي كان من منظميها، فهل يعقل ان يطلق رئيس امريكي هذا التصريح دون اي "تمويه دبلوماسي"، فكيف ينظر كبار العلماء الامريكيين لهذا التصريح بهذه الكيفية؟ لقد نخر ترامب حلف الناتو بشقاقه مع اوروبا، واستعدى اغلب الحلفاء واثار هواجسهم حتى في الشمال الاوروبي، وبدا وكانه وكيل بوتين في اوكرانيا، وفشلت سياساته الحمائية ضد الصين بل عادت عليها بمنافع اكبر، ناهيك عن ترويجه الكاذب انه صانع سلام في حروب ثمانية بينما قواته تضرب في فنزويلا وسوريا ونيجيريا وفي اليمن وفي ايران ..الخ؟

رابعا: هل تؤسس هذه التصرفات الترامبية للاسراع من قبل قوى امريكية لطي صفحة هذا الرئيس ؟ ام ان قوى كامنة ستتربصه يوما ما وخلال سنواته الثلاث المتبقية؟ ربما.