fbpx

التعديلات الدستورية ومزاعم التحديث

أخبار الأردن

أيمن صندوقة

       في ضوء التعديلات الدستورية المقترحة من قبل الحكومة على مجلس النواب يمكننا القول بأن كل نداءات المصلحين ومحاولاتهم لرسم الطريق نحو الإصلاح المأمول قد آلت إلى هباء منثور.

      فبعد تعديلات دستورية كارثية في عام 2016 زادت من تركيز الصلاحيات بيد الملك بشكل لافت من خلال تحميله تعيين عدد من كبار المسؤولين الأمنيين والعسكريين ( أعضاء المحكمة الدستورية، وقائد الجيش ومدير المخابرات ومدير الدرك) وذلك بمعزل تام عن الحكومة وقراراتها ، تأتي مقترحات التعديل هذه المرة بتوسع في هذه التعيينات لتشمل مواقع أخرى ( المفتي وقاضي القضاة ورئيس مجلس القضاء الشرعي ) فضلا عن خلق مؤسسة جديدة باسم مجلس الأمن الوطني يرأسها الملك نفسه ومن ضمن أعضائها وزراء الدفاع والخارجية والداخلية ومديرَيْ كل من المخابرات والأمن الوطني ورئيس هيئة الأركان المشتركة “وعضوين آخرين يختارهما الملك” ..

   ( تسهيل التعاون بين الجهات العسكرية والمدنية) هي مهمة هذا المجلس بحسب وزير الشؤون السياسية موسى المعايطة ، ولا يخفى من التشكيل المقترح لهذا المجلس أنه ينسف بمعنى الكلمة النص الدستوري الذي يقول أن “مجلس الوزراء مسؤول عن إدارة جميع شؤون الدولة الداخلية والخارجية وهو المسؤول أمام مجلس النواب مسؤولية مشتركة عن السياسة العامة للدولة كما أن كل وزير مسؤول عن أعمال وزارته” ..

      فمن هي تلك الجهة التي ستراجع أو تحاسب أيا من أعضاء هذا المجلس عن عمله وهو يعمل من خلال مجلس يرأسه الملك نفسه وهو المصون “من كل تبعة ومسؤولية” كما ينص الدستور نفسه؟!!

   يبدو أنه يراد من خلال إنشاء هذا المجلس  عمل دسترة لما كان يتم سابقا من الاختباء خلف عباءة الملك عند ممارسة الدولة العميقة لصلاحياتها المفتوحة التي تلغي عمليا أدوار كل مؤسسات الدولة وتسخّفها – وعلى رأسها الحكومة ومجلس النواب – وهذا ليس جديدا في الممارسة ، لكن الجديد هو أنه يُراد جعل هذه الممارسة في إطار مجلس له صفة دستورية..

     وفي ضوء هذا التناقض الغريب يمكن لأي متابع أن يتساءل  فيما إذا كان قد بقي للمبدأ الدستوري القائل بأن “الأمة مصدر السلطات” أي وجود في هذا الدستور ؟

      الوصول لتناقض بهذا الحجم والوضوح ليس غريبا طالما يفكر المصممون الحقيقيون للتعديلات الدستورية منذ عقود بطريقة القص واللصق والسعي لشرعنة الانحرافات ليس إلا ، وهم لا يتوقعون – إما لجهلهم أو لاستخفافهم بالشعب – إلى أي مدى سيبدو المنتج الدستوري بعيدا كل البعد عن الانسجام والتراص الضروري لأي دستور مقبول … إن هؤلاء لا يفهمون فقه الدساتير الحديثة وروحها ومستعدون للسعي لامتطاء كل شيء – حتى الدستور – للإبقاء على واقع الحال على ما هو عليه بل دفعه نحو الأسوأ..

      إنشاء مجلس الأمن الوطني هذا ، وتوسيع صلاحيات الملك في تعيين كبار المسؤولين بمعزل عن الحكومات ، هو انقلاب من الملك نفسه على ماجاء في أوراقه النقاشية ، الأمر الذي يظهر الملك في صورة المتخوف أو المتردد من تطبيق ما حملته تلك الأوراق من رؤى ديمقراطية عميقة.. فماذا كانت تلك الأوراق النقاشية إذا ؟

   تاليا جزء مهم وخطير مما جاء في كلمة الملك في افتتاح الجلسة العادية لمجلس الأمة قبل أيام :

” …وعليه، فإن أمامكم مسؤولية مناقشة وإقرار قانوني الانتخاب والأحزاب السياسية والتعديلات الدستورية التي قدمتها الحكومة لمجلسكم الكريم، بهدف الوصول إلى بيئة حاضنة للحياة الحزبية، لتشكيل برلمانات المستقبل (………….. ) وحتى نضمن التقدم نحو البرلمانات الحزبية، فأمامنا عمل كثير لتطوير أحزاب تستند إلى برامج قابلة للتطبيق والتقييم، وتخدم مصالح المواطنين، وتحقق مشاركة فاعلة ومنتجة على جميع المستويات الوطنية والمحلية.

وعلى القوى السياسية والأحزاب أن تنهض بدورها ومسؤولياتها لتحقيق ذلك ، فالتشريعات المقترحة لها أصل دستوري، وهي تشمل ضمانات للعمل الحزبي الذي لن نسمح بإعاقته أو التدخل فيه من أي جهة كانت.

وفي إطار التحديث، علينا أن نحرص على صون مؤسسات الدولة السيادية والدينية والتعليمية والرقابية، من التجاذبات الحزبية، لتبقى درعا للوطن والمواطنين، دون تسييس أو تحزيب، وفي حماية الدستور ونصوصه”

انتهى الاقتباس من كلمة الملك

  ويمكن فهم هذا الجزء من خطاب العرش وربطه مع تعديلات الدستور المقترحة بشكل واضح كما يلي :

– برامج الأحزاب المطلوبة محددة في “جميع المستويات في الشأن المحلي والوطني”

– برامج الأحزاب – التي يفترض أن تشكل الحكومات – لا ينبغي أن تمتد للمؤسسات “السيادية” ولا “التعليمية” ولا “الدينية” ولا “الرقابية” ، فهذه جميعها ينبغي أن تظل “بعيدة عن التجاذبات الحزبية” كما جاء في الخطاب ، وهذا الحديث ينسجم تماما مع إنشاء مجلس الأمن الوطني ومع التوسع في تعيين الملك للمسؤولين في معزل عن الحكومة.

       بتقديري وفي ضوء هذه المعطيات فنحن لسنا في مرحلة اقتراب من الديمقراطية ونحتاج إلى معطيات جديدة غير تلك التوجهات الرسمية إن كنا نأمل في “تحديث” للمنظومة السياسية ، وهذه المعطيات الجديدة المأمولة يلزم أن تكون معطيات شعبية ، لا دولية ولا إقليمية ، حيث يظهر بجلاء أن هذا الذي نراه هو آخر ما يمكن أن يتمخض عنه الحراك الرسمي نحو التحديث والتطوير في المنظومة السياسية ، حتى مع أي تحولات دولية وإقليمية منظورة فهذه التحولات كلها لا يمكن أن تنبت حرية لشعب  ، وحتى لا يحمل أحد كلامي هذا على غير حقيقته فأنا أتحدث عن الحاجة المؤكدة لحراك شعبي سلمي يعبر بشكل ناضج عن طموحات الديمقراطية والحداثة وقادر على الضغط نحو تحقيق رؤاه.

اخبار ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى