fbpx

من كابول إلى عمّان

أخبار الأردن

وصف محللون اقتصاديون وسياسيون كثيرون الانسحاب الأميركي من أفغانستان بأنّه انتصار لحركة طالبان ونهاية للغطرسة الأميركية، وأنّ الهزيمة التي لحقت بالجيش الأميركي كانت فادحة.

وهذا يذكّر بالنتائج التي ترتبت على هزيمة الروس في أفغانستان والتي انتهت بخروج الروس في نهاية الثمانينيات بالانسحاب من وسط آسيا، ومن بعدها شرق أوروبا ودول البلطيق.

والسؤال التاريخي الذي يمكن طرحه الآن: لو بقي الاتحاد السوفييتي على حاله، وبكل الأعباء التي كان يتحملها، فهل يكون بقدر قوته الآن؟ سؤال تاريخي على غرار “ماذا لو ..؟”.

والولايات المتحدة التي احتكرت القطبية الأحادية ربع قرن تقريباً (1990 ـ 2015)، والسعي إلى الاحتفاظ بذلك خلال إدارة الرئيس السابق، دونالد ترامب، تجد نفسها في موقفٍ مشابه، فها هي تخرج من أفغانستان، وتعيد موضعة قواتها في وسط آسيا وغربها، فهل هذا سيجعلها مستقبلاً أقل نفوذاً ولكن أقوى وأكثر فاعلية؟ وفي المقابل، سوف تجد نفسها أمام تنافسيةٍ أعلى حيال الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي.

ولقد نشر الباحث المصري والاقتصادي، محمود محيي الدين، مقالاً في صحيفة “الشرق الأوسط” بتاريخ 25/8/2021 بعنوان “أوهام القوة وحقائق الوهن”. يؤكد فيها، من خلال أربعة أسئلة هامة يطرحها، أن ما جرى في أفغانستان كان كارثة بكلّ المقاييس.

ولعلّ أهم استنتاج يصل إليه هذا الباحث الأريب أن أميركا يجب أن تركز على إعادة بناء اقتصادها وتعزيز ديمقراطيتها، وأن تعيد تنظيم أولوياتها الخارجية وتدعم علاقاتها مع الشعوب، لا مع الأنظمة غير الديمقراطية. وهذه حقائق وصل إليها باحثون أميركان عديدون.

لكن لو قبلنا جدلاً أنّ هذه السياسة التي أتفق مع محيي الدين، على أنّها ستكون سياسة الولايات المتحدة، وليست سياسة الحزب الديمقراطي وحده، يبقى السؤالان: ماذا عن مستقبل العلاقات العربية الأميركية؟ ما هي الدول التي ستكون مرشحة أكثر من غيرها للفوز بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة؟

لقد سعت دول عربية خليجية إلى اكتساب هذا الدور مع إدارة الرئيس ترامب، حتى عندما سعى ذلك الرئيس إلى تعزيز علاقات الولايات المتحدة على حساب فلسطين، واسترضاء المتطرّفين اليهود أو الإسرائيليين بسبب قرب نتنياهو والمتطرّفين من أكبر نصير للرئيس السابق ترامب، الحركة الإنجيلية المتشدّدة، والقائمة على فكرة عودة اليهود إلى فلسطين، لكي تتمهد الأجواء لعودة المسيح عليه السلام.

على هذه الدول الخليجية، وأعتقد أنها بدأت تلك المراجعة، أن تعود إلى المسار الصحيح، لأنها بإضعافها الحق الفلسطيني في بناء دولة ستقلل من رغبة دول عربية وإسلامية والقوى الشعبية وفيها من التعاطف مع هذه الدول الخليجية.

والنقطة الثانية التي لا بد من حلّها أنّ الدول العربية التي تورّطت في حرب اليمن، وقد بدأت بمراجعة ذلك، يجب أن تبحث بجدّية عن حلول لإنهاء الأزمة هنالك. وكان على الجميع أن يستوعب الدرس اليمني، ذلك أنّ اليمن لم يُرِحْ محتليه أو غزاة أراضيه. وأهل اليمن أصحاب حضارة، ومعظم العرب ذوو أصول يمنية، والقيسيون أقل عدداً. آن الأوان أن يتعلم الناس أنّ كلفة الخروج من اليمن أقل بكثير من كلفة الوضع الحالي. وهذا يتطلب بناء علاقات خليجية جديدة مع دول المشرق العربي، وتركيا، وإيران.

أما الرابح الأكبر في المدى المنظور فهو في تقديري الأردن الذي استطاع أن يثبت أنّ لديه المنعة الداخلية الكافية، والمرونة السياسية الذكية التي تجعله يبدو الشريك الاستراتيجي المناسب للولايات المتحدة ولحلف الناتو.

والأردن هو الأرض الممنوعة على أيّ جندي إسرائيلي، والمنطقة التي تهدّد أيّ خلخلة فيها وجود الكيان الإسرائيلي، ولا يدرك هذا الأمر المخططون الاستراتيجيون في الولايات المتحدة وحسب، لكن يدركه أيضاً الجنرالات الإسرائيليون أصحاب الخبرة الطويلة، والذين وقفوا سداً منيعاً ضد محاولات نتنياهو زعزعة الكيان الأردني الداخلي أمنياً وسياسياً واقتصادياً، بسبب رفض الأردن تجديد اتفاق استثمار منطقتي الباقورة والغمر مع إسرائيل، ورفض الأردن وقاوم بشدة الاعتداءات الإسرائيلية على الأماكن المقدسة في القدس والخليل، ومنه ضمّ أراضي وادي الأردن والبحر الميت في الضفة الغربية لإسرائيل، وقاوم بشراسة مشروع صفقة القرن التنازلية الهزيلة.

والأردن سيرى نهوضاً في اقتصاده، ويسير بخطى تثير تساؤلات وفضولاً نحو الإصلاح السياسي والإداري، وبعيد النظر في قوانينه وممارساته الاستثمارية، وسيجدّد المعونة الأميركية له ثلاث سنوات مقبلة على الأقل.

وأخيرا، قد زار الملك عبد الله الثاني واشنطن وأثينا، واستقبل وزراء خارجية قطر ولبنان وتركيا، وقدم إليه كما يشاع وزير الدولة للشؤون الخارجية السعودي، عادل الجبير، في زيارة خاصة. واستقبل الملك مستشار الأمن القومي الإماراتي، طحنون بن زايد، في عمّان.

وسعى إلى فتح الحدود مع سورية، وهو يدعم بكلّ قوة خطوات التعاون الاقتصادي مع العراق ومصر، ويسعى بكلّ قوة إلى حلّ الأزمة اللبنانية. أمام الأردن أيام أحسن مما عرف في العقد الأخير.

العربي الجديد

اخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى