fbpx

الغارمات والسجون.. كيف يمكن وضع حد لوقوع النساء في الفخ؟

أخبار الأردن

سوسن أبو غنيم

لم يكن مكوثها في السجن لأشهر عدة، هو الأمر القاسي على الغارمة مريم، إذ كان تخلي زوجها عنها في هذه المحنة، هو الأشد ظلما ومرارة، خصوصا أن دخولها السجن، لعجزها عن تسديد أقساط قرض أجبرها هو على أخذه ليسافر إلى أميركا.

مريم تقول لـ”أخبارالأردن”، إن الشركة التي كانت تعمل بها أغلقت، ولم يعد لها مصدر دخل لتتمكن من تسديد الأقساط، لينتهي بها الأمر إلى السجن، دون أن يزورها زوجها، أو يقدم لها أي مساعدة.

“لا كملت شغلي ولا البنت كملت جامعة”

ولا يختلف حال أم محمد كثيرا عن مريم، إذ تقول لـ”أخبار الأردن”، “شغف ابنتي في الدراسة وحصولها على معدل 94 في التوجيهي، هو ما دفعني للاقتراض، كان صعبا أن أجلس مكتوفة الأيدي وحلمها يضيع”.

بعد القرض، بدأت تفكر أم محمد بإنشاء عمل بسيط يجلب لعائلتها الرزق، مستغلةً موهبتها بإعداد الأطعمة لتقوم ببيعها، وما أن مضت في ذلك، حتى ظهرت جائحة كورونا، فقالت، “لا قدرت أبيع مثل قبل وأكمل شغلي ولا بنتي كملت جامعة”.

وفي الوقت الحالي، تخشى أم محمد من السجن بعد أن تم رفع قضية بحقها، مطالبة الجهات المعنية بإيجاد حلول تنقذ الأردنيات من الدمار، على حد قولها.

مريم وأم محمد حالتان من بين آلاف الحالات التي تختلف فصولها وحيثياتها، لكن المصير غالبا ما يكون واحدا، وهو السجن، في حين يرى مختصون أن مؤسسات التمويل في الأردن، لم تتحقق أهداف الإنتاجية والقضاء على الفقر، بل أسهمت في تكبيل آلاف الأسر بالديون والملاحقة القضائية.

وفي آذار (مارس) 2019، أعلن جلالة الملك عبدالله الثاني، أنه “سيكون أول الداعمين لجهود مساعدة بناتنا وأخواتنا الغارمات”، مشددا على ضرورة “التنسيق بين الحكومة والبنك المركزي ومؤسسات الإقراض حتى لا تتكرر معاناة الغارمات في المستقبل”.

وتم بالفعل مساعدة العديد من الغارمات من خلال تبرعات تلقاها صندوق الزكاة على مدى العامين الماضيين، فيما أقر مجلس إدارة الصندوق، نحو 400 ألف دينار لعام 2021 لمساعدة الغارمات.

وهناك أسس وشروط للمساعدة، مثل عدم وجود أسبقيات جرمية وعدم وجود حالات تكرار دفع لمرة واحدة، وألا يتجاوز مبلغ الدين عن 2000 دينار وعدم وجود أكثر من قضية مالية على السيدة، وأن تكون القضايا مالية دين وليست جرمية.

وفي 2020 تم الوصول إلى 7325 غارمة، خرج عدد منهن من السجون، ومنهن من كن محكومات بأحكام قطعية بمبلغ إجمالي تجاوز 4 ملايين دينار وهو استكمال عن السنوات السابقة منذ 2017، فيما لا يوجد سيدات غارمات مسجونات بمبلغ دون 2000 دينار.

ورغم عدم وجود إحصائيات رسمية حول أعداد الغارمات ككل، لكن في عام 2018، بلغ مجموع النساء المقترضات من صندوق التنمية والتشغيل 1302 من أصل 3277، بنسبة تبلغ نحو 40%، في حين زادت النسبة في 2016 و2017 عن 50%، ويبلغ سقف القروض الممنوحة من الصندوق 75 ألف دينار.

عاهد: سياسات التمويل هي السبب

ترى المحامیة والناشطة الحقوقية، هالة عاهد، أن الغارمات هن اللواتي استنزفت ديونهن أموالهن، ولم يعدن قادرات على السداد، ويشير المصطلح للنساء اللواتي صدرت بحقهن أحكام تنفيذ.

وأكدت عاهد في حديثها لـ”أخبار الأردن”، أن سياسات التمويل الصغير سبب رئيسي لوجود أعداد من الغارمات؛ ففي حين أن هذه القروض جاءت لتمكين النساء اقتصاديا ومساعدتهن على بدء مشروعات خاصة؛ إلا أن إعطاء القروض دون متابعة للمشروع وجدواه وكيفية إدارته، دفعت سيدات لأخذ قروض لدفع قسط ابن أو ابنة أو لسداد ديون عن الأهل أو الزوج.

وأضافت، “المشكلة ليست بالقروض الصغيرة ومشاريع التمويل، لأنها تقدم للنساء دون ضمانات مالية، وإنما وجدت لمساعدة النساء على بدء مشروعات تمكنهن اقتصاديا، لكن المشلكة الحقيقة هي عدم دراسة المشروع ومتابعته ومن ثم اعتبار الديون وكأنها معدومة، فالأولى بمقدمي التمويل المساعدة والمتابعة لا ملاحقة النساء وحبسهن.

ووفق عاهد، فإن المشكلة الحقيقية تكمن بأنه يجب ان يكون هناك جدوى ومتابعة من قبل شركات التمويل واعتبارها ديون معدومة.

الغارمات في زمن كورونا

أوصى مشروع “النساء الغارمات في الأردن في زمن كوفيد 19 المنفذ بالشراكة بين درة المنال وجمعية حماية ضحايا العنف الأسري وتمويل من السفارة السويسرية”، بإعادة دراسة وضع قروض السيدات، وشروط المنح مع مراعاة الأوضاع الاقتصادية العامة في البلد، وإعفاء بعضهن، خصوصًا اللواتي بقي عليهن مبالغ قليلة.

ودعا إلى إعادة النظر في تقديم دراسة الجدوى الاقتصادية للمبالغ الصغيرة، مع تأكيد القيام بتعديل طريقة تعامل المحصلين مع المقترضات وتثقيفهن وتوعيتهن بكيفية عملية السداد.

وترى الدكتورة سوسن المجالي الشريك والمؤسس في شركة درة المنال، أنه “يجب التحقق من أن المقترضة تستطيع سداد الأقساط، وأن لا يتجاوز القسط عن نسبة 25% من إجمالي الدخل، وأن يتم التأكد بأنها غير حاصلة على قرض آخر بالوقت نفسه”.

وأضافت، أنه “يجب تخفيض نسبة الفوائد والرسوم والمصاريف وضريبة المبيعات، والتي قد تصل إلى 49%”، مشيرة إلى أن معدل سعر الفائدة الفعلي لقرض احتياجات العائلة (فردي)، يبلغ ما بين 49.67% و50.30%، وقرض احتياجات العائلة (جماعي)، ما بين 49.67% و50.66%.

ودعت المجالي، إلى إلزام مؤسسات الإقراض بتوعية المقترضة بشروط العقد وفترات التسديد، وإعلامها بحقوقها قبل التعقاد وبالإجراءات في حال التعثر، وما هي الإجراءات القضائية المتوقع حدوثها، وتفعيل قانون الربا الفاحش رقم 20 لسنة 1934، وتجريم الربا وإضافة نص في هذا القانون أو بقانون العقوبات.

من جانبها، قالت الخبيرة الاقتصادية في المشروع الدكتورة منى طلفاح إن بعض السيدات لديهن مشاريع مرخصة مثل الحضانات، بينما المشاريع البيتية “المطبخ الإنتاجي” يكون غير مرخص.

وأشارت طلفاح في حديثها لـ”أخبار الأردن”، إلى أن هناك شركات تمويل تقوم بدراسة جدوى اقتصادية للقرض فقط إن تعدى حاجز الـ7000 دينار.

وأوصت جميع المؤسسات التي تمنح القروض- مهما كان حجم المبلغ- أن تقوم بدراسة جدوى اقتصادية للمشروع، مؤكدة أنه يجب على شركات التمويل سؤال المقترضة حول الهدف من القرض وسبب صرفه.

ونوهّت طلفاح أن كورونا ظرف عام على الجميع،مشيرةً إلى أن بعض مؤسسات التمويل لم تتعاون مع المقترضات في ظل الجائحة.

ومن جانبه لم تتصل شركات التمويل بالمقترضات لإيجاد حلول لسداد القرض كالجدولة.

الدعم النفسي

وحول الدعم النفسي للسيدات الغارمات، أكدت الدكتورة هدى بني سلامة، أن آلاف الأردنيات اليوم مكبلات بقروض كان الهدف منها تشغيلهن أو فتح مشاريع صغيرة لهن، لكنهن تحوّلن الى مطلوبات للقضاء.

وقالت بني سلامة في حديثها لـ”أخبار الأردن”، إن جائحة كورونا أثرت بشكل كبير على النساء من خلال الخوف من الإصابة والحجر الصحي، وعدم معرفة النساء بالتسويق الإلكتروني وتداعيات آلية الحجر الصحي لعرض مشروعها الخاص، بالإضافة إلى فقدان الدعم العائلي.

وأشارت إلى أن العديد من القصص الإنسانية المؤلمة لأمهات وربات بيوت انتهى بهن الحال إما خلف القضبان أو مطارَدات بسبب قروض صغيرة.

أما الجانب النفسي، فتحدثت بني سلامة عن مشروع قام بقياس مدى تأثر النساء بعوامل الاكتئاب، قبل وبعد التقديم للقرض، من خلال طرح مجموعة أسئلة من خلال استبانة مثل، “كيف تأثرت ساعات النوم لدى النساء قبل وبعد القرض؟، وكذلك الأكل، ودراسة الحالة المزاجية والعصبية وطريقة التعامل مع المحيطين، وهل أصبحت المرأة بعد القرض اجتماعية أم منعزلة؟”.

وأشارت إلى أن المشروع تعامل في الجانب النفسي مع 20 سيدة، وتبين أن حالتهن النفسية تدنت بعد التعثر عن السداد بشكل كبير.

وأضافت بني سلامة، أنه تمت زيارات للنساء في منازلهم وفي مشاريعهم، لكن بسبب الظروف الصحية التي فرضتها جائحة كورونا، فقد تحولت المقابلات معهن عبر “ماسنجر”، وكان الهدف من الزيارة الأولى كسر حاجز الجمود والتعارف.

وأكدت، أن الجلسة الثانية للدعم النفسي، كانت للاستماع إلى تفاصيل حياة السيدات، وهدفها تفريغ جوانب الضغط والغضب الموجودة لديهن لتحديد المشكلة ومعالجتها، فبعض السيدات كانت لا تستطيع تنظيم الوقت وتم تدريبها على التنظيم بما يتناسب مع أحوالها في البيت، وتحديد ساعات فتح المشروع مع أخذ ساعة استراحة، بالإضافة إلى توزيع المسؤولية على الأشخاص المحيطين بها.

ومن المشاكل أيضاً التي كانت تواجها النساء، هي العصبية الدائمة، وفق بني سلامة، التي قالت إنه “تم اتباع أسلوب الاستراخاء من خلال التنفس العميق، والتنفس العميق يكون كما لو أن المرأة تشتم وردة لمدة 5 ثواني، وثم إخراج النفس بهدوء مثل أن تطفي شمعة، مع إرسال بعض الفيديوهات القصيرة، حتى تتقن الأسلوب مع تحديد وقت استخدامه”.

وأشارت بني سلامة، إلى أن “تأثير الكلمات السلبية على النساء، كان له وقع كبير، فتم اتباع أسلوب استبدال الكلمات السلبية بالكلمات الإيجابية، فبدلا من جملة (أنا فاشلة) و(أنا آخرتي ع السجن)، تم اعتماد (هاي فترة ضغط على الكل وأنا لازم أثبت حالي)، فكان الفرق واضح مع المتابعة”.

وبالعودة للمشروع، فقد أوصى باستحداث أو سن تشريعات تحمي السيدات المقترضات، من تغول الجهات المقرضة وتضاعف الفوائد، بهدف ضبط نشاط شركات التمويل أو الائتمان، وتفعيل رقابة البنك المركزي على شركات التمويل الأصغر، ووضع قيود حازمة على متابعة المشاريع، والتأكد من صحة وجودها، وليس إعطاء القروض دون متابعة المشاريع.

دعوة لسياسة جديدة

مسؤول قسم الغارمين في جمعية سنحيا كراما، ليث الحطيني، أكد أنه ضد حبس المدين المتعثر بشكل عام سواء كانوا نساء أو رجال.

وقال الحطيني في حديثه لـ”أخبار الأردن”، إن بعض شركات التمويل تستخدم أسلوب وصفه بـ”غير المحترم”، فتكون الغارمة دفعت 6 دفعات مثلا وأكملت مبلغ 300 دينار من أصل 500، فتقوم الشركة برفع دعوى على الـ500 دينار.

وطالب الحطيني، بضمان حقوق الدائنين وعدم انتهاك حرية المدين من قبل الحكومة والسلطة التشريعية والقضاء، مع أهمية وضع سياسة جديدة تضمن حق الطرفين.

ولا ينسى الحطيني كما يقول، قصة الغارمة التي واجهت عنفا بشكل متكرر، وبعد نقلها للمستشفى والشكوى على زوجها الذي ضربها، تبين أنها مطلوبة، فتم حبسها وتكفيل زوجها وإخراحه من السجن، وبعد فترة قصيرة استلمت ورقة طلاقها وهي بالسجن، فالغارمة لا تستطيع رفع قضية على زوجها، وهي عاجزة أيضاً عن الاتصال على 911 خوفا من القبض عليها، وإذا كانت مطلقة، فهي غير قادرة على رفع قضية نفقة على زوجها.

كما أشار الحنيطي، إلى أن الغارمة لا تسطيع العمل لأنها لا تملك ورقة عدم محكومية، بالإضافة إلى عدم القدرة على إصدار الإعفاء الطبي.

وأكد، أن شركات التمويل غير خاضعة لتعليمات البنك المركزي، لذلك أخذ القرض من شركة تمويل سهل جدا مقارنة بالبنوك، لذلك يجب على البنك المركزي فرض تعليماته على شركات التمويل دون استثناء، مشيرا إلى أن بعض الشركات التمويل تصل نسبة الفائدة والمرابحة فيها إلى 35%.

مذكرة نيابية تطالب بتوعية النساء

استحوذ ملف الغارمات على نصيب مهم من كلمات النواب خلال مناقشة الثقة بحكومة بشر الخصاونة، إذ عاد الملف من جديد إلى واجهة الاهتمام النيابي من خلال مذكرة بوقف ملاحقات قضائية لعددٍ كبير من السيدات لعدم قدرتهن على دفع وسداد قروض السيدات وشركات التمويل.

وطالبت المذكرة التي تبناها النائب خليل عطية، ووقع عليها 27 نائبا إلزام مؤسسات الإقراض بتوعية المقترضة بشروط العقد وفترات التسديد، وإعلامها بحقوقها قبل التعاقد وبالإجراءات في حال التعثر، مع إلزام هذه المؤسسات بتعديل طريقة تعامل المحصلين مع المقترضات وتثقيفهن وتوعيتهن بكيفية عملية السداد، وتقديم الدعم الفني والتدريبي لهن لإنجاح مشاريعهن.

وتساءل مصدر طلب عدم ذكر اسمه، “لماذا انحرفت شركات التمويل عن مسارها الأصلي، وأصبحت تقدم قرض التعليم وقرض الولادة وقرض السفر، بالرغم أنها كانت تقدم قروضا لتمويل المشاريع الصغيرة فقط”.

وأشار إلى أن “هناك موظفين في بعض شركات تمويل، تعطي الموظف بونص على كل زبون ييجي عن طريقه”.

 

اخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى