fbpx

صمت أم تواطؤ؟.. بنزين وديزل يهددان صحة الأردنيين

أخبار الأردن

شروق البو

عويصة قصة الحكومات في علاقتها مع المواطن الأردني، فخلف كل التصريحات بأن صحته ومصالحه أولوية، تجد أن ثلاث حكومات متتالية تتواطأ ضده، فتصمت على بيعه الديزل والبنزين الضار بصحة الأردنيين، والضار بمركباتهم كذلك.

الحجة واهية وغير مقنعة، فحواها أن المستوى الفني لمصفاة البترول ليس مؤهلًا لإنتاج محروقات تلتزم بالمواصفة التي وضعتها الحكومات نفسها؛ لذلك منحت استثناء من تطبيق المواصفة الفنية التي وضعت من قبل مؤسسة المواصفات والمقاييس؛ ولأجل ضمان حق الشركات بالتنافس، قامت بتوسيع الدائرة ولم تكتفِ بمنح الاستثناء لشركة مصفاة البترول، بل وسعته ومنحته لشركات التسويق الأربعة العاملة في السوق المحلية.

القصة أخلاقية، فكيف يرتضي رؤساء حكومات ثلاث هم هاني الملقي وعمر الرزاز وبشر الخصاونة واثنان من وزراء الطاقة منح استثناء يضر بصحة المواطن ومصالحه، دون أدنى إحساس بالمسؤولية تجاه المواطن الأردني، الذي تولوا أمره على مدى السنوات الماضية.

والأخطر من ذلك، أن المستهلك الأردني يشتري البنزين والديزل المخالف للمواصفة، حفاظا على مصالح القطاع الخاص، لكن الحكومات تسقط حق دافعي الضرائب على المحروقات بالحصول على منتج صالح للاستعمال.

ولأن الضرائب المدفوعة على المحروقات مرتفعة وتحقق منها الخزينة نحو مليار دينار سنويا، فكان الأولى الحفاظ على مصالح المستهلكين الذين يرفدون الخزينة بالموارد المالية وليس الشركات التي تحقق الأرباح على حساب الجميع.

وبحسب أرقام وزارة الطاقة، فإن غالبية الضريبة المتأتية من المحروقات، ناتجة عن استهلاك المواطنين للبنزين والديزل، ما يُشير إلى ضرورة حرص الحكومات على مصالح من يمد خزينتها بالمال، وليس الشركات التي تحقق المكتسبات على حساب المواطن.

القصة برمتها

أثارت تصريحات وزيرة الطاقة والثروة المعدنية، المهندسة هالة زواتي، مؤخرا، غضب واستهجان مواطنين، بعدما كشفت عن مدى مخالفة بعض المشتقات النفطية الناتجة عن التكرير في مصفاة البترول الأردنية للمواصفة الأردنية، تحديدا ما يتعلق بمواصفة الديزل والبنزين، وهو ما يؤثر سلبًا على المركبات، والبيئة، والصحة العامة.

ومن المعروف أن حكومة الدكتور هاني الملقي منحت شركة مصفاة البترول، في 30 نيسان (أبريل) 2018، استثناءً من تطبيق المواصفات القياسية الأردنية، مع تمديده إلى حين الانتهاء من مشروع توسعة المصفاة والذي لا يزال “مكانك سر”، وذلك بعد اتفاق بين الطرفين.

عقب ذلك، جاءت حكومة الدكتور عمر الرزاز، ووسعت الاستثناء الممنوح لتشمل باقي شركات تسويق المشتقات النفطية، ما يعني أن كل ما يستهلكه الأردنيون من ديزل وبنزين، يعد مخالفا للمواصفة ومضرا بالصحة والبيئة، الأمر الذي يدفع الخبراء والمراقبون لطرح سؤال كبير، “كيف ترتضي كل الحكومات ومع سبق الإصرار والترصد، إيقاع الضرر على الأردنيين دون أدنى إحساس بالمسؤوليات؟”.

وقالت زواتي إن “المصفاة لديها استثناء مشروط من مطابقة المواصفة طوال فترة تنفيذها لمشروع التوسعة الرابعة وعليه صدر قرار من مجلس الوزراء بالموافقة على الاستثناء من 1 أيار (مايو) 2018 وكان مشروطا بالتزام المصفاة بمراحل التنفيذ المحددة، وفقا للجدول الزمني الذي قدمته المصفاة، وبخلاف ذلك يعتبر الاستثناء ملغيًّا”.

وبحسب ما صرح الرئيس التنفيذي لشركة مصفاة البترول، عبد الكريم العلاوين، الأحد، فإن إلغاء الاستثناء الممنوح لشركة المصفاة يعني إيقاف التكرير، مبينًا أن عدم التزام الحكومة بسداد ما عليها من ديون للشركة، أثر على جدول تمويل مشروع التوسعة الرابعة الذي يستغرق تنفيذه 3 سنوات، ما يعني استمرار الإضرار بصحة المواطنين ومركباتهم لـ3 سنوات أخرى.

وكانت الحكومة قد تعهدت بسداد 455 مليون دينار من ديونها لشركة المصفاة، عبر قرض اتفق عليه الطرفان في العام 2019، وبقي مبلغ 360 مليون دينار لم يُسدد بعد، في حين أن حجم الاستثمار في مشروع التوسعة الرابعة يزيد على 2.5 مليار دولار، وفق العلاوين.

وبحسب القرارات الحكومية التي تسمح باستهلاك محروقات غير مطابقة للمواصفة، والتي بدأتها حكومة الملقي مرورا بحكومة الرزاز ، وما تزال حكومة الدكتور بشر الخصاونة تبررها حتى أمام مجلس النواب، فإن تراكيز عنصر الكبريت في مادتي الديزل والبنزين التي كشفت عنها زواتي لممثلي الشعب، تفوق المواصفة الأردنية بنسب تتراوح بين (1500 – 3500)% من تركيز الكبريت المسموح به في البنزين، في حين أن تراكيز الكبريت في الديزل، تفوق النسب المسموح بها بمعدل (90000 – 120000)%.

وكانت زواتي صرحت بأن إنتاج مصفاة البترول من الديزل يحوي (9000 – 12000) جزء بالمليون من الكبريت، كما تحوي مادة البنزين (150 – 350) جزءًا بالمليون من الكبريت، علمًا بأن المواصفة الأردنية تحدد كمية الكبريت في الديزل والبنزين بـ(10) جزء بالمليون كحدٍّ أقصى.

الوزيرة التي كانت وقبل انضمامها للحكومات، من أبرز المنافحين عن الطاقة النظيفة غير المضرة بالبيئة، تقول بالحرف “إن الحكومة سمحت، في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، للشركات التسويقية باستيراد مادة الديزل بمحتوى كبريت (350) جزءًا بالمليون”، أي ضعف النسبة المسموح بها بـ35 مرة.

هل تدير الحكومة ظهرها؟

ولأن “قصة زواتي والمصفاة”، تأخذ حاليًّا بعدًا جدليًّا واسعًا، لم يخلُ من الاتهامات المتبادلة، لا سيما عبر العديد من المواقع الإخبارية ومنصات التواصل الاجتماعي، بات مطلوبًا وبشكلٍ مُلح، أن توضح الحكومة وبشكلٍ رسمي، حول مدى حقيقة ما تحدثت به زواتي، إذ إن صح ما قالته، فإن الحكومة مطالبة بإجراءات فورية لوقف التجاوزات المتعلقة بمحتوى الكبريت، فضلًا عن المساءلة والمحاسبة، بحسب مراقبين.

وبهذا الخصوص، تحدث مراقبون، رصد “أخبار الأردن” ردود فعلهم، عن اعتماد الحكومة الحالية مبدأ “الهروب” من المواجهة، عندما تشعر بأنها في ورطة، كما حدث في مواقف عدة، أبرزها تبرير تعيين نجل رئيس وزراء أسبق براتب 4 آلاف دينار، حيث تجنبت الحكومة الرد أو التوضيح، إلا عندما واجهت ضغطا وإحراجا شديدين، ومساءلات نيابية.

أضرار على المركبات

قبل ما يزيد على عامين، اشتكى وكلاء سيارات من تكرار تلف شمعات احتراق “بواجي” مركبات عملائهم خلال فترةٍ قصيرة، مرجحين أن يكون السبب في ذلك نوعية البنزين المستخدم في هذه المركبات، حيث قال نقيب وكلاء السيارات، طارق الطباع، في حينها، إن النقابة تنظر في العديد من الملاحظات التي وردت إليها حول سرعة تلف هذه الشمعات والحاجة إلى استبدالها من قبل أصحاب السيارات في فترة أقل بكثير مما يفترض.

كما أكد “وكلاء سيارات”، تكرار تلف شمعات الاحتراق “البواجي” في سيارات زبائنهم، ما استدعى تبديل هذه الشمعات مرات عدة في فترةٍ قصيرة، رغم قيامهم بتغيير نوعية ومنشأ هذه الشمعات في محاولةٍ لتفادي تكرار تلفها، إلا أن ذلك لم يحِل دون تكرار تلفها مرةً أخرى وفي فترةٍ وجيزةٍ جدًّا، مرجحين أن يكون السبب الأكثر منطقيةً هو نوعية البنزين.

أمراض تنفسية مزمنة

أخصائي الأمراض الصدرية والعناية الحثيثة وأمراض النوم، الدكتور محمد حسن الطراونة، أكد أن التعرض لتراكيز عالية من غاز ثاني أكسيد الكبريت يتسبب بآلام في العضلات، والشعور بالتعب والإرهاق العام، وتهييج الجهاز التنفسي والأغشية المخاطية، والإصابة بالسعال.

وأضاف الطراونة في حديثه لـ”أخبار الأردن”، أن زيادة تركيز ثاني أكسيد الكبريت في الهواء، يؤدي إلى صعوبة التنفس، وتحفيز نوبات الربو، والإصابة بالأمراض التنفسية المزمنة، محذرًا من ذلك في ضوء الظرف الوبائي الذي يمر به الأردن بسبب جائحة فيروس كورونا المستجد.

وأوضح، أن هذا الغاز ينبعث من احتراق الوقود الأحفوري والمشتقات النفطية، لافتًا إلى أن نتائج أحدث الأبحاث التي أجرتها منظمة السلام الأخضر، أظهرت أن منطقة الشرق الأوسط إحدى المناطق التي تحوي أعلى مستويات انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكبريت حول العالم.

تحذير من الخطر البيئي

وعلى الصعيد البيئي، قال الخبير البيئي الدكتور دريد محاسنة إن النسب المنبعثة من الديزل المولّد أردنيًا غير مقبولة صحيًّا وبيئيًّا، مطالبًا بالالتزام بالمواصفات المحددة وأن تكون المواصفة الأردنية التي يتم إنتاج المشتقات النفطية بناءً عليها غير ضارة بالبيئة وصحة الإنسان.

وأضاف محاسنة في حديثه لـ”أخبار الأردن”، أن الأردن يعاني من التلوث البيئي منذ سنوات، و”لا تعنيني قضية الاستثمار المحلي والأجنبي، إنما صحة المواطن وتحسن الجو والبيئة هو ما يعنيني”.

وأكد أن الدول كلها بدأت بوضع شروط على التعامل التجاري والاقتصادي مع بعضها البعض، محذرًا من أن هذه الشروط لا تستثني أي دولة بل تشمل جميع بلدان العالم، وقد تؤثر على اقتصاد الدول ذات التلوث البيئي المرتفع.

وذكر محاسنة أن من الأمثلة على هذه الشروط، “كأن نقول إذا ما قللت من انبعاث الغازات في بلدك، سيتم وضع عقوبات عليك وتخفيض قيم المنح والقروض والتعامل التجاري مع البلدان الملوثة”.

ولفت إلى أن الأردن يعتمد كثيرًا في برامجه الاقتصادية والتنموية على المنح والقروض الميسرة؛ لذا ولأجل تحسين البيئة والهواء والتقليل من انتشار الأمراض الناتجة عن انبعاث الغازات السامة، لا بد من اتخاذ إجراءات جادة بهذا الخصوص، وإلا ستتفشى الأمراض الرئوية والسرطانية في المملكة.

ودعا محاسنة الحكومة إلى فرض “غرامة تلوث” على مصفاة البترول لتحسين نوعية الديزل؛ كونها غير ملتزمة بالمواصفة الأردنية لإنتاج الديزل والبنزين، وإذا ما اتخذت الحكومة إجراءات بهذا الشأن فللمنظمات البيئية أن تباشر إجراءاتها الخاصة.

وشدد على ضرورة تخفيض تلوث الهواء، مشيرًا إلى أن الأردن مطالب بذلك، وأن الأمر ليس قضيةً محلية وإنما دولية وعالمية، وهناك اتفاقيات دولية تمت في مؤتمر باريس لتغير المناخ (كوب 21)، ما يشير إلى أهمية الأمر.

وبيّن محاسنة أن النقل في الأردن يستهلك نصف الطاقة الموفرة- وجميعها مستوردة مثل البنزين والديزل-، وبذلك فإن قطاع الطاقة يشكل ما نسبته 50% من التلوث في الأردن.

وتابع أن الأجدى لتحسين الصحة والبيئة والهواء، أن يتم استخدام وسائل نقل تعتمد على الطاقة البديلة، وبالتالي تكون الغازات المنبعثة من السيارات وآليات النقل المختلفة أقل ضررًا على البيئة وصحة الإنسان.

صمت مبهم

وتواصل “أخبار الأردن” مع كل من مدير عام مؤسسة المواصفات والمقاييس الأسبق الدكتور حيدر الزبن، وأمين سر نقابة وكلاء السيارات المهندس فرح قاقيش، ومهندس السيارات المهندس جمال فنون، إلا أنهم رفضوا التصريح بشأن مدى خطورة ارتفاع نسب الكبريت في الديزل والبنزين؛ لأسباب “تضر الاقتصاد الوطني”، على حد قول بعضهم وتحفظ آخرين على أسباب الرفض.

اخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى