fbpx

توقيف الصحفيين.. سمعة الأردن أهم من “العقلية الانفعالية”

أخبار الأردن

محرر الشؤون المحلية
بالتأكيد لم يكن الزميل جمال حداد، هو أول صحفي يتم توقيفه لمجرد الاتهام وقبل بدء المحاكمة أو صدور قرار قضائي، فيما لن يكون الأخير، أيضا، طالما أن العقلية التي تتعامل مع هكذا ملف، هي عقلية عابرة للحكومات، وتتعامل مع الأمر على قاعدة انفعالية، لا تضع في حسبانها المآلات المتعلقة بسمعة الأردن بملف الحريات.
وفي الحديث عن توقيف الزميل حداد، تقول المعلومات، إن رئيس الوزراء بشر الخصاونة، أراد إشهار سيفه مبكرا في محاولة منه إلى “لجم الصحافة” بتوقيف حداد، وإيصال رسالة مفادها أن التوقيف ينتظر كل من يحاول التغريد خارج السرب.
في أيام توقيف حداد، بدت لافتة الانتقادات التي طالت الجهات الرسمية، وتحديدا فيما يتعلق بالإضرار بسمعة الأردن دون مبرر حقيقي أو خطير يستدعي التوقيف، وبهذا الخصوص كتب الزميل فهد الخيطان في مقال له، أن الإجراء “مكلف من الناحيتين الحقوقية والسياسية”.
ووفق ما كتب الخيطان، “تكررت كثيرا عادة توقيف الصحفيين في قضايا النشر، وفي كل مرة يحدث ذلك يؤكد الجميع على مبدأ متفق عليه أردنيا وعالميا بعدم جواز التوقيف في قضايا المطبوعات، مع احترام حق جميع الأطراف باللجوء إلى القضاء لرفع الضرر الناتج عن النشر. كل ما يحصل في مثل هذه الحالات، ضجة واسعة في وسائل الإعلام تنال من سمعة الأردن، وتطعن في احترامه للحريات الصحفية، وتضعه في مرتبة الدول التي تنتهك الحريات. وفي العادة توافق السلطات بعد أيام على تكفيل الصحفي الموقوف، ولا نعود نسمع شيئا عن القضية”.
وتساءل الخيطان، “لماذا نجلب لبلدنا السمعة السيئة، بينما نحن في الحقيقة أفضل بكثير من غيرنا ونستطيع أن نطور من تجربتنا على نحو يضعنا في مراتب الدول المتقدمة؟!”.
وحث الخيطان المسؤولين، على التمتع “بقدر أكبر من سعة الصدر، وعدم الانجرار وراء انفعالاتهم حتى عندما تخطئ وسائل الإعلام،لأن ذلك يقوض جهود الدولة والمجتمع لتصويب الاختلالات الحقيقية في الفضاء الإلكتروني، وحشد التأييد ضد الممارسات اللاأخلاقية في مواقع التواصل الاجتماعي، والدعاية الخارجية التي تحاول دق أسافين الفرقة والخلاف بين مؤسسات الدولة والمواطنين”.
أما أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية، ليث كمال نصراوين، فقد كتب مقالا طويلا تطرق فيه إلى “الحيثيات القانونية” المرتبطة بتوقيف الصحفيين، وتاليا نصه:
يكثر الحديث هذه الأيام عن حرية الصحافة كحق دستوري قررته المادة (15/3) من الدستور، والتي تلزم الدولة بأن تكفل حرية الصحافة والطباعة والنشر ووسائل الإعلام ضمن حدود القانون. فمصطلح “الكفالة” الذي استعمله المشرع الدستوري يلقي على الدولة مسؤولية المبادرة باتخاذ ما يلزم من إجراءات لضمان حرية الصحافة والإعلام كصورة من صور الحق في حرية التعبيرعن الرأي.

وأسوة بباقي الحريات الدستورية الأخرى، فقد جرى تقييد ممارسة حرية الصحافة “ضمن حدود القانون”. وفي هذا الإطار، يجب الإشارة إلى أن اجتهاد المحكمة الدستورية الأردنية قد استقر على أن الصلاحية التقديرية التي أناطها المشرع الدستوري بالسلطة التشريعية لتنظيم ممارسة الحقوق بقوانين خاصة يجب أن لا تؤثر على جوهر هذه الحقوق أو تمس أساسياتها.

وتكريسا لحرية الصحافة، فقد صدر قانون المطبوعات والنشر الأردني رقم (8) لسنة 1988 الذي خضع لسلسلة من التعديلات كان أهمها التعديل الذي جرى في عام 2012، والذي يعد تقدميا في نصوصه وأحكامه ومتوافقا مع المعايير الدولية للحق في حرية الصحافة. فبموجب التعديلات التي أدخلت على القانون في عام 2012، أنشئت في كل محكمة بداية واستئناف غرف قضائية متخصصة لقضايا المطبوعات والنشر تتولى النظر في الجرائم التي ترتكب خلافا لأحكام القانون، وتلك التي ترتكب بوساطة المطبوعات أو وسائل الإعلام المرئي والمسموع المرخص بها خلافا لأحكام أي قانون آخر .وقد أعطيت هذه الغرف القضائية الاختصاص الحصري في نظر قضايا المطبوعات والنشر، إذ نص القانون المعدل على أن تختص غرف قضايا المطبوعات والنشر لدى محكمة بداية عمان دون سواها بالنظر في القضايا السابقة وفي الجرائم الواقعة على أمن الدولة الداخلي والخارجي المنصوص عليها في قانون العقوبات، إذا تم ارتكابها بواسطة المطبوعات أو وسائل الإعلام المرئي والمسموع المرخص بها.

ولم يقتصر القانون المعدل على منح الاختصاص في محاكمة الصحفيين للقضاء المدني، بل أنه قد أعطى هذه القضايا صفة الاستعجال، بحيث ألزم المحاكم بأن تفصل في هذه الدعاوى خلال أربعة أشهر من تاريخ ورودها، والأهم من ذلك أنه قد جرى النص صراحة على عدم جواز توقيف الصحفيين نتيجة إبداء الرأي بالقول والكتابة وغيرها من وسائل التعبير.

إلا أن هذا الموقف التشريعي الإيجابي من حرية الصحافة قد تغير بشكل كامل بصدور القرار التفسيري رقم (8) لسنة 2015 عن الديوان الخاص بتفسير القوانين، الذي اعتبر فيه أن قانون الجرائم الإلكترونية رقم (27) لسنة 2015 هو قانون خاص فيما يتعلق بجرائم الذم والقدح التي ترتكب عن طريق الشبكة العنكبوتية، وأن قانون المطبوعات والنشر هو قانون عام. بالتالي، فقد جرى تعطيل كافة النصوص التقدمية السابقة التي تحظر حبس الصحفيين في الأردن لصالح تفعيل القواعد العامة في الملاحقة الجزائية، كما وردت في المادة (114) من قانون أصول المحاكمات الجزائية والتي تجيز التوقيف.

إن توقيف الصحفيين في الأردن مرده القرار التفسيري السابق الذي اعتبر النشر على المواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي مشمولا بأحكام المادة (11) من قانون الجرائم الإلكترونية، وذلك لغايات عدم تطبيق قانون المطبوعات والنشر الذي يحظر توقيف الصحفيين عن جرائم الرأي والتعبير.

اخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى