fbpx

المتعثرون الأردنيون.. كرة ثلج تهدد الأمن الاجتماعي والاقتصادي

أخبار الأردن

محمد حمد

“لم تعد مشكلة فردية ولا حتى فئوية، بل باتت مشكلة تنذر بكارثة مجتمعية واقتصادية غير محمودة العواقب”، بهذه الكلمات وصف اقتصاديون مشكلة التعثر المالي في الأردن، والتي زادت من تفاقمها، جائحة كورونا التي دفعت كثيرين إلى صفوف المتعثرين، وعمقت أزمة المتعثرين أصلا من قبل الجائحة.

وفق الأرقام الرسمية الحديثة الصادرة عن البنك المركزي، فإن المتعثرين في الأردن، والذين تجاوز عددهم مليون مواطن، أو صاحب عمل، مطالبون بسداد نحو مليارين ونصف المليار دولار، ما يعادل 1.77 مليار دينار، على شكل ديون وشيكات بنكية مرتجعة، مع توقع أن يرتفع عدد المتعثرين، وحجم مديونيتهم خلال العام الحالي، إذا ما استمر تأثير جائحة كورونا على الاقتصاد بشكل عام.

القانونيون منقسمون على أنفسهم

في الوقت الذي تبحث فيه الحكومة عن حلول لمعضلة حبس المدين، وإجراء تعديلات على قانون التنفيذ القضائي لتحديد آلية معينة لحمبس المدين، يجد عدد من المحامين أن تعديل القوانين والتشريعات باتت ضرورة لوقف حبس المدين، مستندين لتعهدات الأردن الدولية، المتمثلة بالتوقيع على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والذي تنص المادة 11 منه “لا يجوز سجن أي إنسان لمجرد عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي”.

المحامون بينوا أن موافقة وتوقيع الأردن للمعاهدات الدولية، تحتم عليه احترامها، والعمل على تعديل القوانين والنصوص الدستورية وحتى الأنظمة والتعليمات، لكي تتوافق مع تلك المعاهدات الدولية التي تسمو على الدستور والقوانين الداخلية للدول الموقعة عليها.

كما أن منهم من تساءل عن جدوى حبس المدين المتعثر، خاصة أن حبسه في حال عدم قدرته على السداد، لن يمكن صاحب الدين من تحصيل حقوقه، وسيحرم المدين من العمل وكسب المال لسداد الدين.

فريق آخر من المحامين، اعتبروا أن قانون التنفيذ الذي يتضمن حبس المدين، هو السبيل الوحيد لتحصيل حقوق الدائنين، ويؤكد المحامي يزن عناقرة، وهو أحد المعترضين على إلغاء حبس المدين، أن القضايا المالية للشركات والبنوك ومؤسسات الإقراض الصغيرة، وحتى الأفراد، هي التي تشغل عدد كبير من مكاتب المحامين.

وأضاف العناقرة، أنه بالعودة لنصوص الدستور، فإن هذه المعاهدة لا قيمة لها بالنظام القانوني والدستوري الأردني، كون تطبيقها يحتاج إلى عرضها على مجلس الأمة للتصديق عليها، وهذا الذي لم يحدث حتى الآن، وذلك تطبيقا للمادة 33/2 من الدستور الأردني التي نصت على أن المعاهدات والاتفاقات التي يترتب عليها تحميل خزانة الدولة شيئاً من النفقات أو مساس في حقوق الأردنيين العامة أو الخاصة لا تكون نافذة إلا إذا وافق عليها مجلس الأمة، ولا يجوز في أي حال أن تكون الشروط السرية في معاهدة أو اتفاق ما مناقضة للشروط العلنية.

اقتصاديون: الحكومات شريك رئيسي بأزمة التعثر

الخبير الاقتصادي، حسام عايش، اعتبر في حديث لـ”أخبار الأردن”، أن الحكومة ساهمت بطريقة مباشرة وغير مباشرة، بمشكلة المتعثرين، من خلال غياب رقابتها على البنوك، وشركات التمويل الصغيرة، التي سهلت منح قروض للأفراد وحتى الشركات دون وجود ضمانات ائتمانية كافية وضامنة لسداد القروض.

تلك البنوك والشركات وفق عايش استغلت حالة الإهمال الحكومي لتعاملاتها المالية مع المواطنين، وباتت تحصل من المقترضين فوائد بنسبة تصل إلى 100% من قيمة القرض الأصلي في بعض الحالات، الأمر الذي زاد من صعوبة سداد القروض، إن كان من الأفراد أو أصحاب الأعمال.

العايش، يجد أن الحل هو بمراجعة العقود الموقعة بين البنوك والشركات، من قبل البنك المركزي، وإعادة جدولتها بحيث لا تكون مجحفة بحق المقترضين، إضافة إلى وضع شروط وضمانات ائتمانية موحدة، يتم اعتمادها من كافة المؤسسات المالية، قبل الموافقة على منح قروض مالية، أو عينية.

الاقتصادي ورجل الأعمال، موسى الساكت، قسم المتعثرين إلى فئتين، الأولى وهم المتعثرون بسبب عدم قدرتهم على الإيفاء بالتزاماتهم، لكنهم قادرين على العمل، ويمكن حل مشكلتهم ببعض المساعدات المالية أو الجدولة.

أما الفئة الثانية، فغالبيتهم من التجار أو أصحاب المشاريع الصغيرة، وهم غير قادرين على سداد ديونهم، ولم يعد لديهم مصدر دخل بعد إغلاق مشاريعهم، مبينا أن هذه الفئة يمكن مساعدتها عبر منحهم قروضا لتغطية ديونهم وإعادة فتح أعمالهم.

من جهته، حذر الخبير الاقتصادي، فهمي الكتوت، من ترك الحكومة لهذه المشكلة دون حلول جذرية لمدة طويلة، خاصة أن هذه المشكلة التي أثرت على كل بيت أردني، من شأنها زيادة نسب الفقر بشكل كبير، ومضاعفة أعداد العاطلين عن العمل في المملكة.

متعثرون خارج الأردن

أزمة المتعثرين تجاوزت حدود الوطن، الذي غادره آلاف الشباب ورجال الأعمال الصغيرة والمتوسطة، هربا من السجن الذي سيمنعهم وفق حديث عدد منهم لـ”أخبار الأردن”، من سداد ديونهم، التي لا يتعدى بعضها ألف دينار، وباتت دول مثل تركيا ومصر، ملاذهم الأول للهرب من السجن.

متعثرون ماليا في الخارج، أكدوا خلال حديثهم لـ”أخبار الأردن”، أن أوضاع غالبيته المعيشية صعبة جدا في الدول التي يتواجدون فيها، فهم منذ سنوات بلا أوراق ثبوتية، أو جوازات سفر، بعد منع تجديدها للمتعثرين، مشيرين إلى أن عدد قليل من المتواجدين في تركيا أو لبنان أو مصر، قادرون على العمل وكسب بعض المال.

وبحسب إحصائيات غير رسمية، فإن 15 ألف متعثر أردني غادروا المملكة هربا من الديون، ولترتيب أوضاعهم المالية، منهم من اصطحب معه عائلته، منهم من خرج تارك عائلته في الأردن، وتوجهوا نحو تركيا أو مصر أو لبنان أو الإمارات أو جورجيا وغيرها.

الحكومة تبحث عن مخرج يرضي أطراف المشكلة

في خطاب رد رئيس الوزراء بشر الخصاونة، على مناقشات الثقة في مجلس النواب، أعلن عن بدء الجهات المعنية بتجديد جوازات سفر المتعثرين ماليا والمتواجدين في دول عربية وأجنبية، لكنه أكد أيضا، أن مشكلة التعثر المالي بحاجة إلى دراسة مستفيضة، تضمن حقوق الدائن والمدين، مشيرا في الوقت ذاته، إلى أن حكومته الجديدة ستبحث عن حلول وتعديلات منصفة للطرفين.

في حكومة عمر الرزاز الراحلة، كشف وزير العدل بسام التلهوني، عن أن الوزارة تبحث مع ديوان التشريع والرأي جملة تعديلات مهمة وضرورية على قانون التنفيذ، وذلك لمعالجة مشاكل المتعثرين ماليا، مع حفظ حق الدائن، فالمعادلة بين الدائن والمدين المتعثر معقدة، وفق ما قاله التلهوني في وقتها، لكن المناقشات تلك توقفت مع فرض قانون الدفاع وإقرار إجراءات، كان من بينها الإفراج عن المحكومين على قضايا مالية لا تتجاوز قيمتها 100 ألف دينار.

المقترح الحكومي السابق كان يدور حول منع حبس المدين المتعثر ممن يزيد عمره على 55 عاما، ولمن تقل قيمة ديونه عن عشرة آلاف دينار، وتحديد مدة الحبس للمدين المتعثر، بحيث لا تزيد على الشهرين في العام.

قانون التنفيذ الحالي، يعطي الحق لصاحب الدين بحبس المدين لمدة ثلاثة أشهر من كل عام عن كل دين تعاقدي، وهو ما يعني أن أربعة كمبيالات قيمة كل واحدة منها 100 دينار، كفيلة بحبس شخص مدى الحياة، وهو ما وجد فيه قانونيون أمرا غير عادل، وغير منطقي، في وقت تقل فيه عقوبات مجرمين وإرهابيين عن ذلك.

 

 

اخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى