fbpx

العنف ضد الإناث اجتماعيا وتشريعيا.. هل يدور الأردن في حلقة مفرغة؟

أخبار الأردن

فرح عبدالله

“أنا فخورة بحالي.. ما استسلمت، مع أنه كان بالنسبة الي حلم إنه ييجي يوم أتطلق منه.. كان دايما يحلف لو بتعيشي وبتموتي بحياتك ما تحلمي أتركك أو أطلقك.. كنت أحكيله أنا مستعدة أتحدى الدنيا ولو بدي أموت وأرجع أصحى رح أتركك بيوم من الأيام وأتطلق منك ومستحيل أندفن وأنا على اسمك”.

هكذا تلخص نادية (اسم مستعار)، قصتها عندما كانت تعيش مع زوجها قبل أن تحقق حلمها بالطلاق كما تقول، مضيفة أن الزوج دأب على ضربها بشكل مبرح وعلى تعنيفها كذلك بالكلام البذيء، وهي قصة تجسد قصص الكثير من النساء داخل المجتمع الأردني، منها ما يبقى خلف جدران المنزل ومنها ما يجد طريقه إلى الإجراءات الرسمية.

الصمت عن العنف

وفي الحديث عن هذه الجزئية، يجدر استحضار ما حدث مؤخرا مع “فتاة مستشفى الجامعة”، التي تعرضت للتعذيب والضرب بطريقة وحشية من قبل شقيقيها حتى دخلت في غيبوبة، وما كان الأمر لينكشف لولا اضطرار عائلتها لنقلها إلى المستشفى ومن ثم انتشرت القصة عبر منصات التواصل من خلال ناشطات نسويات، بينما كان الأهل قبل ذلك يسعون إلى إخفاء الحادثة، والادعاء بأنها سقطت على رأسها.

وبشأن الحالات التي تواجه عنفا أسريا وتصمت عنه، قالت وزيرة الدولة السابقة لشؤون الإعلام جمانة غنيمات، إن الأرقام المسجلة تؤكد هذه المشكلة واتساع مداها، إذا تشير الإحصائيات إلى أن العنف الأسري زاد أكثر من الثلث بحسب عدد الحالات المسجلة، ناهيك عن الحالات التي لا تسجل وتبقى في إطار الأسرة من دون إعلان؛ لأسباب مختلفة.

وأضافت غنيمات في حديثها لـ”أخبار الأردن“، أن هناك أسبابًا متعددة للعنف ضد النساء، لكن اللافت هو أن العنف أصبح أكثر وحشية في بعض الجرائم، الأمر الذي يستدعي من خبراء علم النفس والاجتماع التعمق في تشخيص الحالة؛ للتوصل إلى الأسباب التي تقف خلف الظاهرة، وبالتالي مجابهتها.

فيما ترى وزيرة التنمية الاجتماعية السابقة، الرئيسة الفخرية لجمعية ضحايا العنف الأسري، ريم أبو حسان، “أعتقد أن الضحية الصامتة تحاول الحفاظ على تماسك الأسرة بواسطة السكوت عن العنف، لأن السكوت سيحافظ على الخصوصية، ولكنها تتناسى أن الحفاظ على الأسرة يكون بمواجهة العنف ووقفه وليس تبرير وقوعه”.

ريم أبو حسان أرشيفية

وهنا، تؤكد أبو حسان في حديثها لـ”أخبار الأردن“، أن وعي المرأة هو النقطة الأساسية التي تمكنها من اللجوء لمؤسسات مدنية وحكومية تعمل على دعمها، وبالتالي التوعية بالعنف يجب أن يكون بشكل عام للجمهور وليس الضحايا فقط.

وأشارت إلى أن، “عدم التمكين الاقتصادي يعد عاملا مهما يدفع الضحية للسكوت عن حالة العنف المرتكبة تجاهها، وهذا يتطلب أولا أن تواجه الضحية نفسها وتعترف لنفسها، وتؤكد أن ما حدث هو عنف، وعليها أن تتعامل مع هذا الفعل بذكاء وحرص وهذا يتطلب معرفتها بحقوقها كضحية”.

الأمينة العامة للجنة الوطنية الأردنية لشؤون المرأة، الدكتورة سلمى النمس، بينت أن هناك عوامل داخلية ترتبط بسكوت المرأة عن العنف، مثل خوفها من فقدان أطفالها أو عدم وجود بيئة حاضنة لها بعد طلاقها، علما أن هناك حالات تصمت لتحضير نفسها لاستغلال أقرب فرصة متوافرة أمامها للفرار أو الذهاب لتقديم شكوى.

ووفق ما ذكرت النمس لـ”أخبار الأردن“، هناك عوامل سيكولوجية ترتبط بعلاقة المعنف مع الضحية، والتي تمثل علاقة القوة والضعف، فالضحية تدخل بدائرة مغلقة لأن معنفها يكون في قمة قوته وقت العنف، ثم يعود لها في وقت آخر وهو في قمة ضعفه، وهنا تتشكل سيكولوجية العلاقة.

سلمى النمس أرشيفية

أما المديرة التنفيذية لمعهد جمعية تضامن، أسمى خضر، فتوضح، “أن الضحية في حال تعرضها للعنف، يمكن أن تلجأ لإدارة حماية الأسرة، أو أي مركز أمني أو للمدعي العام، ولكن يلزمها لتحريك الدعوة وجود ضمانات للمكان الذي ستلجأ له، حيث يجب أن يكون لديها محام أو قانوني يساعدها لتجنب تعرضها للضغط باتجاه التنازل عن حقها”.

وأضافت خضر لـ”أخبار الأردن“، أنه “يجب على الضحية أن تمتلك أدلة، تؤكد تعرضها للعنف مثلا صور أو أدوات مستخدمة، ويفضل في القضايا الجزائية وجود شهود عيان، مع أن المشكلة تدور عادة حول خوف الشهود من المعنف، ما يؤدي لسكوتهم بالرغم من وجودهم في لحظة التعدي على الضحية، وهنا يجب التركيز على أهمية وجود طريقة لحماية الشهود وضمان عدم تعرضهم للضغط”.

أسمى خضر

“ليش سكتي؟”

أجابت مريم (اسم مستعار) عندما وجه “أخبار الأردن“، هذا السؤال لها بالقول، “أول مرة ضربني فيها كنت عروس والموضوع كان بسيط.. فجأة مد إيده وخلعني كف وقتها ركزت بالغرفة واطلعت على كل شي حوليي بعدين لقيت مزهرية بوجهي.. مسكتها وكسرت مراية موجودة قدامي وصرخت ليش تضرب احكيلي ليش تضربني؟”.

وأضافت، “موضوع الضرب صار يتكرر كثير وفقدت الأمل إنه يبطل يمد إيده، ومرة جبت أهله وأهلي، وهو عرف يقلبهم ضدي،  فبردت القصة وأهلي وأهله ما ساعدوني وما حدا وقف معي، وقتها حسيت حالي لازم أنا أدافع عن حالي لأني خايفة أشكي وما بعرف شو ممكن بعدها يصير، وصرت كمان أحاول أضرب لما يضربني”.

وفي سياق متصل، قالت رنا (اسم مستعار)، بعد توجيه السؤال ذاته لها، “ما حدا ساعدني فسكتت، وكان عمري 17 سنة وما حدا كان جنبي، بس ضل ببالي موضوع لازم ييجي يوم وأتركه.. خلفت 3 أولاد منه بس أصريت أكتر على تركه، لأنه الأولاد بلشوا يوخدوا الطبع من أبوهم.. بتذكر مرة كنت ببهدل بابني الصغير لأنه عامل إشي خطأ وقتها هددني وحكالي هسا بخلي بابا يضربك، هون فهمت إنه لازم أخلص أو ما أسكت، وبحاول أحقق هالشي”.

وتلفت أبو حسان بهذا الخصوص، إلى أن “عدم التمكين الاقتصادي يعد عاملا مهما يدفع الضحية للسكوت عن حالة العنف المرتكبة اتجاهها، وهذا يتطلب أولا أن تواجه الضحية نفسها وتعترف لنفسها وتؤكد أن ما حدث هو عنف، وعليها أن تتعامل مع هذا الفعل بذكاء وحرص وهذا يتطلب التعرف على حقوق الضحية”.

أحدث إحصائية رسمية

وفق أحدث إحصائية رسمية صادرة عن إدارة حماية الأسرة التابعة لمديرية الأمن العام، فقد بلغ عدد حالات العنف ضد النساء والفتيات في النصف الأول من العام الماضي، ممن تعاملت معها الإدارة، نحو 4678، غالبيتها حالات عنف جسدي، وكانت نصيب الطفلات بواقع 2243 حالة.

كورونا تفاقم أرقام العنف

أعلنت مؤسسات المجتمع المدني عن تزايد حالات العنف الأسري خلال جائحة كورونا، فاستقبل مركز عفت للإرشاد التابع لجمعية “تضامن”، ما يفوق 800 حالة خلال 3 أشهر، وهذا الرقم يفوق ما استقبلته الجمعية خلال عام 2019 كاملا.

ووصل عدد من تعاملت معهن المكاتب بإدارة حماية الأسرة في أشهر آذار (مارس) ونيسان (أبريل) وأيار (مايو) 1685 حالة، ممن تعرضن للعنف الأسري، وكانت نتائج مسح لصندوق الأمم المتحدة للسكان بالتعاون مع معهد العناية بالصحة الأسري، كشفت عن زيادة العنف الأسري خلال الحظر إلى 69%.

من جانبها، قالت غنيمات إن كل المؤشرات تؤكد أن منسوب العنف ارتفع ضد النساء في ظل الجائحة والإغلاقات التي تمت خلال الفترة الماضية، مشيرةً إلى أنه تبعا للمعطيات، من المتوقع أن ترتفع معدلات العنف في المجتمع بشكل عام وضد النساء بشكل خاص؛ بسبب الظروف الاقتصادية.

وبينت، أن الأرقام تُشير إلى أن ظاهرة العنف تتزايد حكما في ظل ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، لافتةً إلى أن ارتفاع معدلات البطالة والفقر مسألة متوقعة خلال النصف الثاني من العام 2021 عندما تتجلى النتائج الفعلية للوباء، وكذلك مع قرب انتهاء العمل بقرارات الدفاع في شهر أيار (مايو) المقبل.

العنف ضد المرأة

وقالت الأخصائية النفسية، الدكتورة هدى بني سلامة، إنه تم إطلاق مبادرة “راحتي في منزلي”، من قبل جمعية ضحايا العنف الأسري، بهدف التقليل من الضغوطات التي تواجه الناس في ظل الجائحة، وأشارت إلى أن الخدمات النفسية تصدرت المشهد، حيث تم تقديم استشارات مجانية من قبل المختصين عبر الهاتف بواسطة الخط الساخن، إضافة إلى تحويل حالات لأطباء أصحاب اختصاص، وأيضا تم تحويل حالات لإدارة حماية الأسرة.

كما أشارت بني سلامة، إلى أن المبادرة تلقت 120 اتصالا تقريبا، وتم متابعتها بشكل رسمي خلال فترة كورونا، مضيفة، أن المبادرة كانت تقوم بنشرات لتجنب قلق الأطفال وتوعية الأم للتعامل مع طفلها، إضافة للعديد من المواضيع التي طرحت لتقليل الخوف في المجتمع.

مسؤولية مَن؟

غنيمات، أكدت أن الدور المهم للإعلام يبرز في تسليط الضوء على هذه المشكلة وإدانتها كمساهمة من الإعلام كسلطة رقابية في معالجة القضية، حيث إن التركيز على هذه القضايا وخلق الوعي بخطورة هذه الممارسات يساهم- بلا شك- في التخفيف منها.

وتابعت، “يضاف إلى ما سبق دور المؤسسات التي تعنى بقضايا العنف، بحيث تتخلى عن الدور التقليدي بهذا الخصوص الذي ما يزال أقرب للفزعة عن العمل المنظم، بحيث يكون عملًا معمقًا طويل المدى، يساهم فعلا بتغير السلوك وتغيير القناعات لدى مجتمع، وما يزال بعضه لا يدين العنف ضد المرأة”.

 ماذا عن القوانين والتشريعات؟

النمس تقول، إن “الخطورة لا تكمن بوجود رقم محدد من الجرائم في عام محدد، بل إن القانون والإجراءات لا يوجد فيها الردع الكافي، فالمجتمع يبرر الجريمة وكأن التعنيف أو الجرائم قد يكون لها مبرر”.

وأضافت، أن “الإطار الوطني للحماية من العنف، يعاني من فجوات بالتطبيق، والتي تفضي إلى أن المرأة التي تعيش بدائرة عنف، ولا يمكنها أن تمضي بإجراءات للوصول للحماية الكاملة والعيش بكرامة”.

أما أبو حسان، فترى، أن “التشريعات المتعلقة بحماية المرأة من العنف بحاجة لتطوير بشكل دائم، لكن المشكلة الأكبر هي عدم دراية الشخص العادي بمنظومة الحقوق وبالتالي عدم قدرته إلى اللجوء لتنفيذ القانون”.

من جهتها، لفتت خضر، إلى “وجود تطورات متتالية على قانون العقوبات، ووجود تعديل مهم في قانون الحماية من العنف الأسري، لكن ذلك لا يمنع من وجود بعض الثغرات في القانون، بسبب تدني العقوبة بالقوانين، ووجود ضغوطات تمارس على المرأة أو عائلتها لإسقاط الحق الشخصي عن الجناة، وللأسف المحاكم ما تزال تأخذ بإسقاط الحق الشخصي كذريعة لتخفيف العقوبة”.

وأضافت خضر، “طرح موضوع العنف في الصحافة، وانتشار القضايا وقصص العنف ضد المرأة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وازدياد نشر ثقافة الوعي بقضايا العنف الواقعة على النساء، وتطوير دائرة خاصة لحماية الأسرة في الأمن العام، هذه الخطوات بلورت جهود مؤسسات المجتمع المدني التي تصدت لموضوع العنف ولفتت النظر له”.

التمكين الاقتصادي مفتاح التغيير

وشددت غنيمات على أن التمكين الاقتصادي هو مفتاح جميع أشكال التمكين، ويبقى هو بوابة التمكين الاجتماعي والسياسي، وهنا تتجلى ضرورة زيادة مشاركة المرأة الاقتصادية لمجابهة جميع أشكال العنف ضدها، سواء الأسري، السياسي، السيبراني، وكذلك الجسدي، “فاستقلال النساء اقتصاديا يمنحها القدرة على رفض كل أشكال العنف، وهذا هو المفتاح للتغيير الشامل في أحوال النساء”.

اخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى