fbpx

العنف ضد الأطفال.. عندما يلقي الأهل أبناءهم بقلب المخاطر النفسية والسلوكية

أخبار الأردن

يارا غنيمات

عندما نقول طفل، يتبادر فورا إلى الذهن مفاهيم مثل البراءة واللعب والنقاء والعفوية، ونرى كذلك في الطفولة الاستمتاع بمشاهدة “أفلام كرتون” على التلفاز أو غيره من الأجهزة الإلكترونية، وتناول وجباتنا المفضلة، وما إلى ذلك من سلوكيات تنتمي ببساطتها إلى هذه الفئة العمرية.

ذلك يبدو أمرا بديهيا وطبيعيا، لكنه بلا شك ليس عند جميع الأطفال، فمنهم من يعيش في بيئة قاسية، ويتعرض لشتى أشكال العنف بما فيها الجسدي، ما يعرضه لمخاطر صحية ونفسية وسلوكية، تكبر معه كلما تقدم في السن.

مريم.. قصة عنف يلاحقها

الطالبة الجامعية مريم (اسم مستعار)، والبالغة من العمر 23 عاما، تروي تجربتها مع العنف في طفولتها وحتى شبابها، قائلة، “أشعر وكأن عمري 70 عاما بسبب ما تعرضت وأتعرض له، حيث بدأت قصتي منذ الطفولة، عندما تعرضت لأنواع متعددة من العنف الجسدي والنفسي والضرب المستمر، من قبل والدي وأعمامي، وتسلطهم الدائم من غير مبرر، بالإضافة إلى التنمر المستمر على مظهري.. أفقدوني معنى وطعم الحياة”.

مريم أكدت، أن علاقتها بأسرتها القائمة على العنف والضرب، أثرت سلبا في مفهوم العائلة وصورتها لديها، مما جعلها متخوفة من فكرة البيت والعائلة، أو حتى إقامة علاقات زوجية، قناعة منها بأن العنف حلقة مغلقة وسلوك مكتسب قد يؤدي إلى ممارسته على أطفالها، متسائلة أنه ونتيجة افتقارها إلى الحب الذي لم تلمسه منذ طفولتها ولم تشعر به، فكيف ستمنحه للآخرين؟، وقالت “فاقد الشيء لا يعطيه”، فكل ما قدمته لها أسرتها هو الشعور بالخوف والفراغ والنقص والحاجة.

ومريم بقصتها، تختصر الكثير من القصص المماثلة، لأطفال نشأوا على العنف الأسري، وانعكست تأثيراته على مستقبلهم وحياتهم من جميع الجوانب.

العزام:  العنف يضرب منظومة السلوك لدى الطفل  

حول ذلك، قال دكتورعلم الاجتماع في جامعة اليرموك، عبد الباسط العزام، لـ”أخبار الأردن”، “لا يوجد هناك تبرير لاستخدام العنف ضد الطفل، إلا إذا كان باستخدام كلمات بسيطة لتأنيب الطفل، وجعله يتكيف مع قواعد السلوك العامة لدى الأسرة، فالحرية لا تعني إطلاق العنان للطفل ليتصرف كيفما شاء، بل إن هناك ضوابط تعمل على تحديد ما هو مسموح وما هو ممنوع في إطار قواعد السلوك العامة المتعارف عليها”.

ومن الناحية النفسية، أكد العزام، أن “العنف اللفظي أو الجسدي يؤثر على خبرات وتجارب وكفاءة الطفل في تعامله مع الأحداث، فقد يؤدي هذا إلى اختلاف منظومة السلوك لديه، فيتصرف كأنه غير موجود وينكر الانتماء لغيره، والعنف وسيلة مكتسبة، فهي عادة إنتاج للمآسي والاضطرابات السلوكية التي كان يعاني منها الأبوان، فالفقر والبطالة واختلال الظرف المادي للأسرة، قد يدفع الأب أو الأم إلى مواجهات علنية وصراعات قد تتزايد يوما بعد يوم، فيتشرب تلك المأساة الأبناء وعندما يكبر الابن تعود الدائرة إلى ما كانت عليه من واقع سلوكي مختل في تعامله مع الآخرين، فهي وسيلة مكتسبة من دورة حياة الإنسان (التنشئة الاجتماعية)”.

وأضاف، “عادة ما يلجأ الأهل للعنف عندما يغيب الحوار والتواصل القائم على أساس الأخذ والعطاء، فعندما تختل منظومة الحوار الإيجابي المبني على قواعد ديمقراطية سليمة، يشوع الاستبداد في التعامل، فقد يلجأ الأهل إلى استخدام العنف على أبسط الأسباب، فالأصل هو الإصلاح وليس الردع، والأصل هو تقويم الاعوجاج  وليس تحطيم بنية الطفل نفسيا وسلوكيا”.

ووفق العزام، “للبيئة دور كبير جدا في دفع الأبناء إلى الانحراف، فكلما كانت البيئة سليمة، ينشأ الطفل على قواعد سليمة، وكلما كانت البيئة مختلة، يتأثر الطفل بهذا الوعاء السلبي، وكما يقال (الصاحب ساحب)، فإما أن يسحبه إلى الخير والفلاح، وإما أن يقذف به إلى السلوكيات الخاطئة، كما لا بد أن يكون لغياب أحد الوالدين الأثر الكبير في ممارسة العنف ضد الطفل، فعندما يغيب أحدهما، تنقطع إحدى قنوات المحبة التي يستأنس بها الطفل، فتصبح هذه القناة جافة لا تغذي الطفل بالحب والحنان، فيكون في هذه الحالة فريسة سهلة للوقوع في السلوكيات الخاطئة”.

زريقات يحذر من اضطراب ما بعد الصدمة

من جهته، قال أستاذ علم النفس والتربية الخاصة بالجامعة الأردنية، إبراهيم زريقات، إن “العنف الموجه للطفل تدخل فيه تسميات مختلفة ويؤدي إلى مشكلات جسمانية مثل الإصابة بأمراض القلب والربو وغيرها من الأمراض، كما يؤدي إلى مشكلات نفسية وهي تعتبرالأكثر أهمية”.

ووفق زريقات، “الآثار النفسية متنوعة وقد تؤدي إلى اضطرابات  مثل اضطراب ما بعد الصدمة، وردود الفعل التحويلية والانفعالية التي تظهر على شكل قلق نفسي واكتئاب وخجل عزلة اجتماعية وأحلام غير سارة (كوابيس ليلية)”.

وأضاف لـ”أخبار الأردن”، “كما أنها تؤدي إلى قضايا مختلفة توثر على صورة الطفل نحو الذات (النفس)، مثل تدني احترام وتقدير الذات، وضرب صورة الفرد أمام نفسه، ويصبح أكثر عرضة للتنمر من قبل الآخرين، وبالتالي هذا كله يقود إلى خبرات سلبية تؤثر على حياته النفسية لاحقا، فيصبح الطفل ضعيف الشخصية وقليل الحديث وضعيف المشاركة في الأنشطة الاجتماعية، مما ينعكس سلبيا على معالم نمو الشخصية، إذ يتأثر النمو الانفعالي والاجتماعي والشخصي ورعاية الذات والنمو المعرفي، وبالتالي الشخصية المستقبلية للطفل، تكون غير سوية، أي أكثر عرضة للإصابة بالاضطرابات النفسية التي تدفع بالأسرة للبحث عن علاج متخصص لمساعدة الطفل في تحقيق شخصية سليمة وسوية”.

وأشار زريقات كذلك، إلى أن “إساءة معاملة الطفل عادة ما تنشأ عن فشل في تلبية حاجاته النمائية، كما تنتج عن الصراعات الزوجية، لذا من المهم فتح قنوات التواصل الأسرية، والتوعية بضرورة تنشئة الطفل النفسية، وبأثر الصراعات الزوجية على حياته، وأنها قد تهدد أمنه النفسي والداخلي، كما أن من أسباب العنف ضد الأطفال، هو عدم المعرفة بأساليب التربية النفسية الصحيحة، وهنا يكون من المناسب أن يعرف الآباء طرق التربية النفسية وتحقيق الأمن النفسي للطفل، وهناك طرق للتعامل مع الآثار النفسية، وذلك بضرورة عرض الطفل على أخصائي نفسي للتعامل مع مشكلات القلق والخوف والرعب والاضطرابات النفسية الأخرى”.

السرطاوي: نتعامل مع العنف الأسري باهتمام عال

الناطق الإعلامي باسم مديرية الأمن العام، العقيد عامر السرطاوي، قال لـ”أخبار الأردن”، إنه يتم التعامل مع أي حالة عنف أسري في غاية الأهمية، ويتم إعطاؤها درجة أولى في التعامل، وفي حال عدم قدرة الطفل في الوصول إلى أحد المراكز الأمنية المختصة أو إدارة حماية الأسرة، يتم تحريك فريق حسب الاختصاص للوصول إليه وإجراء دراسة وتقييم على كافة أفراد الأسرة، وتخضع إلى عدة مراحل من قبل أصحاب الخبرة والاختصاص.

وأضاف السرطاوي،  أنه في حال تم الإثبات والتأكد من أن هناك عنفا أسريا، يتم اتخاذ الإجراء المناسب، إما من خلال التحويل إلى المحكمة، أو التحويل إلى الحاكم الإداري (المحافظ).

وقال، إنه سبق التعامل مع مثل هذا النوع من العنف، والذي قد يؤدي أحيانا إلى الوفاة، نتيجة التعنيف المستمر من الأب على أولاده، أو من الأخ على إخوته.

“كورونا” تفاقم العنف ضد الأطفال

وكان خبراء أردنيون، حذروا في تصريحات خلال “فترة كورونا”، من الاستمرار في إغلاق المدارس، خشية ارتفاع عدد حالات العنف غير المبلغ عنها الواقعة على الأطفال، لافتين إلى الدور المحوري لمؤسسات التعليم في التبليغ والإحالة في قضايا الإساءة الواقعة على الطفل.

وقالوا، إن “رياض الأطفال والمدارس كان لها دور أساسي في الكشف عن حالات الإهمال والإساءة الواقعة على الطفل، لكن مع انقطاع نحو عام كامل للطلبة عن مدارسهم، فإن ذلك سيجعل الكثير من الأطفال خارج إطار الحماية”.

ويلزم قانون الحماية من العنف الأسري للعام 2016، مقدمي الخدمات بمن فيهم المعلمين والمرشدين والادارات المدرسية بالتبليغ عن حالات العنف الواقعة على الأطفال، كما يترتب على عدم الالتزام بالتبليغ غرامة مالية، في حين أن القانون لا يلزم المواطنين كالجيران والأقارب بالتبليغ، فضلا عن وجود ثقافة ترفض التدخل في مسائل العنف الأسري باعتبارها شأنا أسريا خاصا.

ووفق الخبراء، “المسألة لا تقتصر على التبليغ عن حالات العنف، إنما كذلك حالة الإهمال، نقص التغذية، التسرب المدرسي، الزواج المبكر وعمل الأطفال”.

ويلزم قانون الحماية من العنف الأسري، بالتبليغ عن حالات العنف ضد الأطفال عند اكتشافها من قبل المعلمين والمعلمات للجهات الرسمية وهي إدارة حماية الأسرة، حيث أجري في الأعوام السابقة العديد من البرامج التدريبية للمعلمين لرفع كفاءة التبليغ عن العنف ضد الأطفال وأنشأ قسم خاص تابع لوزارة التربية والتعليم، لمتابعة هذه الحالات.

وقال أحد الخبراء، “قبل الجائحة، وحسب المعايير الدولية والعلمية لم يكن التبليغ عن العنف ضد الأطفال لجهات حماية الطفل، في الأردن، بأفضل أوضاعه، إلا أن الحجر أدى إلى التوقف الكامل لإجراءات التبليغ هذه، ما أدى إلى ارتفاع عدد حالات العنف ضد الأطفال في المنازل، وفاقم الوضع رداءة عوامل الخطورة الأخرى لتعريض الأطفال للعنف وهي الكرب الناتج عن عمل الوالدين أو أحدهما عن بُعد، والقلق والتوتر الناتج عن الجائحة ذاتها، والتعليم عن بعد بحد ذاته وخاصة عدم توفره بشكل مثالي لجميع الأسر أثناء حجرها فاقم حالات العنف ضد الأطفال، وتشير دراسات أيضا أن فقد احد الوالدين أو كلاهما لعمله أو وظيفته أو إصابته بفيروس كورونا هو من عوامل الخطورة الموثقة بتسبب ارتفاع حالات العنف ضد الأطفال”.

يشار إلى أن دراسة لمنظمة الصحة العالمية في عام 2020، بينت أن ما يقرب 3 من كل 4 أطفال، أي حوالى (300 مليون طفل) في العالم الذين تتراوح أعمارهم بين 2-4 سنوات، يعانون بانتظام من العقاب البدني أو النفسي على أيدي الوالدين ومقدمي الرعاية، ويتأثر نصف أطفال العالم سنويا، “ما يقرب من مليار طفل”، بالعنف الجسدي أو الجنسي أو النفسي، ويعانون من الإصابات والعجز والوفاة، لأن الدول فشلت في اتباع الاستراتيجيات المعمول بها لإنهاء العنف ضد الأطفال.

اخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى