لا ادري لما كلما مررت أمام
عريشة فخار تداهمني الرهبة ، وأترفق بالمسير ، حيث تعصف بي حيرة التكوين ،
لأصير في ثوان قليلة امرأة في مهب العاطفة هكذا بسهولة ،
ذات ليلة توقفت عند إحدى العرائش لأصغي لأنين جرار الفخار الرهيب.. كم يدهشني سر الصلصال ،، ألم يخلق الإنسان من طين؟،،
جرار
بقامات باسقة وأخرى بأطراف حادة ومستوية ، بعضها مازال رطباً ندياً وآخر
قسا وأشتد ولوحته الشمس بالبياض ، لا أدري كيف ينسل الحنين المختمر بصلصال
الطين عندما أشاهد جرة فخار؟،
جدتي كانت تضع على باب البيت زير فخار
، وتلفه بقطعة من الخيش المبلل بالماء ، حفظاً للبرودة في أيام القيظ
الصحراوي الذي كان يلازمنا أكثر من نصف السنة ، كانت تكلفنا بتفقد مستوى
الماء فيه كل فترة ، وإضافة بضع قطرات من ماء الورد البلدي الذي كانت
تبتاعه من سعاد البياعة"أم عين كريمة" ، والآن حان الوقت لأستريح بالاعتراف
بخطيئتي التي اقترفتها مراراً بإزاحة صحن البلاستيك الأخضر من فوهة زير
الماء وألهو بالكوز المربوط بخيط قنب سميك كسفينة ماء تهيم على وجه ماء
الجرة البارد ، الأمواج التي كنت افتعلها بحركة يداي كانت عاتية بحيث كانت
تتراشق و تملأ وجهي وشعري ، لكن سفينتي كانت تنجو كل مرة عندما أسمع صوت
أحدهم قادماً من باب البيت ويعود الكوز للجرة مرة أخرى ...
" ما على
الدنيا حسافه" أقولها لنفسي عند كل عريشة ، وذات مرة سمعت سيدة تجادل في
ثمن جرة...اشتدت المفاصلة عندما قال صاحب العريشة"لا والله مش موفية
معنا.." ويومها تخيلت ان هذه السيدة تجادل في ثمن جرة أختزل صلصالها ذرات
جسد محارب قديم ،،
يارب في أي عريشة وأي جرة ستجبل من صلصال جسدي
؟، وأي "دولاب" سيدور جامعاً كتلة من طينْ ارتدى روحي ؟،، بل أين اليدً
التي ستلم أشعث خلاياي وتجبلها بالماء؟،، وأي "فرن" سيكتوي بنار غربة جسدْ
فارقته الروح؟، و في أي أرض سيلتئم هجير تعب الجسد و يسكنه النسيان؟،
وأي
يد طفل يلهو بالطين ستعبث في طين هذا الجسد المصاب بالروح ، بل أي يد خزاف
ستشكل بقايا هذه الأدمة التي كوتها شمس الأغتراب طويلا وأنا بقلب الوطن؟،،
اليوم أشعر أن بعضاً مني جرة فخار ترشح بالذكرى كلما اشتدت قيظة الاغتراب...
www.hindcolors.com
هذا البريد محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته