اتصل بنا ارسل خبرا
أنواع المسؤولين في الأردن

jomana_35392.jpg

شكوى طالما سمعناها من مسؤولين، وتحديدا وزراء تركوا القطاع الخاص وغادروه لينضموا للحكومات، بقولهم "ما لنا وهذا الصداع!"، وتراهم يلومون أنفسهم على خسائر مالية ورواتب عالية تخلوا عنها، وراحة بال رحلت عنهم.
هذا النوع من التذمر مسألة اعتدنا عليها، حتى غدا الأمر كأن بعض هؤلاء يحمّلون الناس والدولة جميلا علينا أن نشكرهم عليه كل طالع يوم، وأن نقدّر "التضحيات" التي قدموها حين قبلوا أن يصبحوا وزراء ومسؤولين.
المشكلة أن أيا من هؤلاء لم يأتِ بعلم نافع، ولم يخترع العجلة، فبعضهم جاء ورحل من دون أن يحدث أي فرق في وزارته أو مؤسسته، بل على العكس تماما، تجد بعضهم فاقم المشاكل ورحل، ولم يترك خلفه إلا أزمات أكبر، فيما "فاز" بلقب "صاحب معالي" الذي يحمله معه حتى آخر العمر.
في الشق الآخر من المعادلة، ثمة ظاهرة اتسع مداها مؤخرا، وهي أن تجد بعض المسؤولين، الأبناء التقليديين للبيروقراطية، يهجرون مواقعهم بعد أن تحصّل على جميع الامتيازات، فنرى المسؤول يرحل إلى القطاع الخاص، بعدما تأهل لذلك بنفوذه الذي منحه إياه العمل في الموقع العام. وبالارتحال إلى القطاع الخاص، يجد الراتب الأعلى، فما حاجته للعمل الحكومي بعد أن أصبح مثقلا بالألقاب التي تمنحه " بريستيجا" يشبع غروره ويرضي نهمه في مجتمع ما يزال يقدس الألقاب، ويقدم أهلها على من سواهم.
على كل حال ثمة عيب كبير في طرفي المعادلة، سواء أولئك الذين يهجرون القطاع الخاص إلى العام أو العكس، فكلاهما لا يدرك بعد قدسية العمل في خدمة الشعب في المواقع العامة، ولم يصلهم بعد التعريف الحقيقي لهذا العمل، وكم يحمل بين ثناياه من مسؤوليات كبيرة تزيد كلما تعقد المشهد وضاق الحال.
أما النوع الثالث من المسؤولين، فهم ممن حملتهم المعارضة، وجاءت بهم إلى الموقع العام، سواء من خلفية إسلامية أو يسارية أو من معارضة تحب أن تسمي نفسها بالوطنية. بعضهم خرج من تحت قبة البرلمان، وآخرون جاءت بهم "دكاكين" الأحزاب. هذا النوع ربما يكون الأكثر خذلانا للناس والبلد، لأنهم تخلوا عن دورهم في خدمة المجتمع، وفي تطبيق ما نظّروا له على مدى سنوات طويلة وربما عقود!
النوع الرابع، فهم وزراء يؤمنون أن دورهم خدمة المجتمع والحفاظ على ماله وحقوقه، وأن من واجباتهم العمل بجدية لمعالجة الاختلالات، وإحداث فرق في القطاعات التي يديرونها، كما يدركون أن دورهم سياسي وليس فنيا فقط، لذلك تجدهم يقتربون من الناس، ويساعدون الأردن على المضي بثبات نحو المستقبل وفي مواجهة الأزمات والتحديات، بيد أنهم قلة، ويضيع تأثيرهم وسط الغالبية من المسؤولين الذين يتنصلون من مهامهم ويفتقرون لأدوات الاشتباك مع المجتمع.
أخطر أنواع هؤلاء المسؤولين من يظن أنه أكثر فهما من المجتمع، وأنه يتوجب على المجتمع أن يخدمه ويرفعه، وليس العكس. هؤلاء، ومن حيث لا يدركون، يحطّمون المؤسسات ويكسرون صورتها في أذهان الأردنيين.
أمام هذا الواقع نكتشف إحدى أدوات الضعف التي ساقت إلى تعميق فجوة الثقة بين المؤسسات والمجتمع، فهؤلاء بصراحة كانوا سببا رئيسا في الاختلالات الكبيرة التي هزت صورة المسؤول لدى الناس.
استعادة الثقة بالمؤسسات لا تحتاج إلى دولة قانون فحسب، أو مجتمع يحترم القانون فحسب، وخطط ووعود قابلة للتنفيذ، بل تحتاج، أيضا، إلى نوع جديد من المسؤولين يدركون دورهم، ويحترمون المجتمع وعقله، وتكون لديهم إرادة العمل وخدمة المجتمع، وأيضا تطبيق القانون على الجميع بعدالة.
هذا النوع من الوزراء والمسؤولين هو ما نحتاجه، تزداد أهميتهم في الاشتباك مع الشارع وهمومه، مع توفر المقدرة لديهم على شرح وجهة نظر الدولة، بدلا من الاختباء تحت المكاتب وخلف الكراسي والألقاب.


 
more